في موسوعة "لاروس" الفرنسية، تُعرف "الدولة" بأنها "مجموعة من الأفراد يعيشون على أرض محددة ويخضعون لسلطة معينة وفق قانون مُلزم للجميع". وهو تعريف يشدد على العناصر الأساسية التي تشكل الدولة: الشعب - الأرض - السلطة الحاكمة، بينما هي في العُرف المحلي بمصر تُشكل معنى مغاير، يربط بينها وبين الحكومة في كيان واحد، دون الشعب. وهذا المعنى يتضح جليًا في تحليل خطابات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، الذي لا يفرق بين الحكومة والدولة، حين يتعمد في مناسبات عدة استعمال مصطلح "الدولة تحملت الكثير"، والذي يستخدمه أيضًا لتبرير أي تخفيض تقرر فرضه على ملف دعم المواطنين.
في هذا، لا تختلف حكومة مدبولي الجديدة عن سابقتها التي ترأسها الرجل ذاته، فهي في كل مراحلها تشتكي "ضيق اليد"، وتدعي أنها باعتبارها "الدولة" تحملت كما تحمل المواطن وربما أكثر. وهو ما يثير تساؤلات على رأسها: ماذا يعني رئيس الوزراء بأن "الحكومة/ الدولة" تتحمل، في حين أن دورها ألا يتحمل المواطن، بينما معظم مواردها في أصلها من ضرائبه؟
"الدولة تحملت".. الجملة التي تعشقها الحكومة
في أول المؤتمرات الإعلامية للحكومة الجديدة في 9 يوليو الجاري، قال مصطفى مدبولي، في خضم حديثه عن تحريك حتمي وتدريجي لأسعار المحروقات والكهرباء والأدوية، إن "الدولة لن تتحمل مئات المليارات من الدعم بعدما تم تحملها لمدة عام ونصف"، مضيفًا أن "الدولة تحملت" عن كاهل المواطن أعباء كبيرة جدًا في الخدمات وتحاول تعويض جزء من الدعم الذي يصل إلى المواطنين.
في 27 مايو، تحدث مدبولي عن خطة عام 2018 للوصول إلى صفر دعم والصدمات العالمية التي أدت لاختلال المنظومة، قائلًا: "مع الأزمة الكبيرة الطبيعي أن يحدث تعديل الخطة وزيادة الأسعار، لكننا على مدار عام ونصف بالكامل ثبتنا كل حاجة، والدولة هي من تحملت الفاتورة بأرقام كبيرة تستلفها بالدولار، في وقت الفائدة على الدولار بلغت ما بين 5% إلى 8%".
في يناير الماضي، قال مدبولي أيضًا إنه رغم التحديات الكبيرة التي تواجه الحكومة، تحملت الدولة الكثير من الأعباء عن المواطنين، مضيفًا أن رغيف الخبز يكلف الدولة الكثير من الأموال. وفي مايو حينما رفعت الحكومة سعر رغيف الخبز المدعم من 5 إلى 20 قرشًا، قال مدبولي أيضًا: "الدولة تتحمل 120 مليار جنيه سنويًا في الخبز من خلال إنتاج 100 مليار رغيف خبز سنويا، وبعد رفع سعر الخبز يصل الدعم إلى 105 مليارات من الجنيهات".
وفي الشهر ذاته، قال رئيس الحكومة إن "الدولة تحملت" 30 مليار جنيه لتطوير الخط الأول لمترو الأنفاق حتى لا يتوقف، كما تواجه أعباء كبيرة بسبب فاتورة الأدوية التي تصرف مجانيًا للمواطن بقيمة 22 مليار جنيه، بالإضافة إلى دعم الأسمدة والمياه ولبن الأطفال.
مصريون: نحن الدولة التي تحملت
"احنا اللي اتحملنا الحكومة كتير.. كنا عايشين قبل 2011 زي الفل؛ بناكل ونشرب ونخرج وخدماتنا مستقرة، عمر ما في خدمة اتقطعت علينا كل الوقت ده.. كان في رحمه ودعم من الحكومة للمواطن الغلبان"؛ تنتقد "دينا صلاح" تبريرات الحكومة لخطة تخليها عن المواطن، بينما تترحم على الفترة السابقة لـ2011.
في السنوات الأخيرة، سجل المصريون شكاوى عديدة في ملفات مختلفة، آخرها خدمة الكهرباء، التي لجأت الحكومة لتخفيف أحمالها تقليلًا لاستهلاك محطات التوليد بفعل نقص واردات الغاز، فضلًا عن ارتفاع الرسوم على العديد من الخدمات.
![]()
عممت وزارتا الصحة والسكان والتنمية المحلية على المستشفيات التابعة لمديريات الصحة بالمحافظات، برفع سعر تذكرة الكشف فئة واحد جنيه إلى عشرة جنيهات، ورفع سعر تذكرة الزيارة فئة 3 جنيهات إلى 5 جنيهات.
في الموازنة الحالية، تضمنت التعديلات زيادة رسوم مغادرة البلاد من 50 جنيهًا إلى 100 جنيه، ومن نسبة 2% من قيمة كل سلعة تشتري من الأسواق الحرة إلى نسبة 3%، كما تم إضافة نسبة 10% من الرسوم الجمركية على البن المحمص والشيكولاتة، وسماعات الرأس، ولعب الأطفال، وإضافة عروض السيرك والتزلج على الجليد والغوص ورحلات السفاري إلى قائمة ضريبة الملاهي.
اقرأ أيضًا: أينما تكونوا يدرككم “الظلام”.. كيف تدير الحكومة قطع الكهرباء؟
يتساءل "وليد الشناوي": "وماذا قدمت الحكومة للمواطن؟ ما كله من جيب المواطن في شكل ضرايب ورسوم.. محدش بيدفع حاجه من جيبه للناس.. دي فلوس الناس".
وفقًا لبيانات وزارة المالية، فإن الضرائب تمثل 75%من إجمالي إيرادات الدولة، وتبلغ تقديرات الإيرادات الضريبية بمشروع الموازنة العامة للدولة للسنة المالية الحالية 2024/ 2025 نحو 2 تريليون و21 مليار و991 مليون جنيه، تعادل 11.8% من الناتج المحلى الإجمالي، بنسبة زيادة قدرها 32% عن العام المالي السابق.
ولذا، فإن "وحيد منسي" لا يرى عبارة "الدولة تتحمل" منطقية، وعلى العكس هو يحمّل الحكومة الأعباء التي تحملها المواطنين. يقول: "الحكومة حمّلت كل حاجه على دماغ المواطن: رفع الدعم عن كل الخدمات من بنزين وسلع غذائية ومواصلات وأدوية دي لو لقيناها أصلًا وما تهربتش للسوق السودا.. الحكومة مش مسيطرة وما بتتحملش احنا اللي بنتحمل".
مزيد من التحميل لا التحمل
في أول أيام العام، طبقت الحكومة زيادة بأسعار تذاكر مترو الأنفاق بنحو جنيه، لتصبح قيمة أقل تذكرة 6 جنيهات، وهي الزيادة الرابعة في 7 سنوات فقط. بينما استحدثت وزارة النقل تذكرة جديدة لما يزيد عن 23 محطة بسعر 15 جنيهًا.
في مارس الماضي، رفعت الحكومة أسعار الوقود للمرة التاسعة خلال 3 سنوات، لتصبح قيمة لتر بنزين 80 بعد الزيادة 11 جنيهًا، وبنزين 92 بعد الزيادة 12.50 جنيه، وبنزين 95 بعد الزيادة 13.5 جنيه. كما فُرضت زيادة بسعر السولار جنيهًا و75 قرشًا للتر الواحد، ليصبح سعر لتر السولار 10 جنيهات.

بعيدًا عن التحمل والتحميل.. ما هو دور الحكومة؟
بحسب المهام الدستورية لرئيس الحكومة، فإن دوره هو حماية حقوق المواطنين ومصالح الدولة، وتوجيه أعمال الوزارات والجهات والهيئات العامة التابعة لها والتنسيق بينها ومتابعتها.
اقرأ أيضًا: هل تعمدت الحكومة التخلص من المستشفيات الحكومية وطواقمها؟
يمنح الدستور رئيس الحكومة سُلطة إعداد مشروع الخطة العامة للدولة، ومشروع الموازنة العامة للدولة، وعقد القروض ومنحها وفقًا لأحكام الدستور، وتنفيذ القوانين. وبالتالي، فإن رئيس الوزراء مسؤول عن كل القرارات التي انعكست على حياة المواطنين أخيرًا.

يقول صفوت قابل، أستاذ الاقتصاد وعميد تجارة المنوفية السابق، إن مهام الحكومات تتعدد، ومن أهم مخططاتها كيف تواجه المشاكل والأزمات التي يتعرض لها المجتمع، سواء أكانت هذه الأزمات متوقعة أم مفاجئة، وكلما كان لديها من الخطط والسياسات التي تمكنها من تجاوز المشاكل، كانت من الحكومات الناجحة والتي ينعكس نجاحها على المجتمع وأفراده.
ويضيف أن هناك مرحلتان من الحلول؛ أولهما القصير وهو في هذه الحالة كيفية مواجهة التضخم وخفض النفقات التي تحتاج العملات الأجنبية، فمثلًا يمكن للحكومة تقليل، بل وإنهاء أعمال مكاتب التمثيل الخارجي مثل المكاتب الثقافية والتجارية، فالدولة تتحمل نفقات ومرتبات المحظوظين الذين يسافرون للخارج دون فائدة، ومن الممكن القيام بمهامهم من الداخل من خلال تكنولوجيا التواصل الحديثة وتوفير الملايين التي تنفق على هذه المكاتب.
ويتابع: "في الأجل المتوسط لابد من دور للحكومة فى توجيه الاقتصاد نحو الاعتماد على الذات وتحول الاقتصاد إلى اقتصاد إنتاجي، فهل نتعلم من تجارب الآخرين مثلًا كما الهند التي كانت تواجه خطر المجاعة ولا تجد القمح للاستهلاك المحلي، وهي الآن ثاني أكبر منتج للأرز والقمح في العالم. هذا دور الحكومة، فهل تفعل ذلك أم تستمر في البحث عن القروض ومناشدة القطاع الخاص بأن يتقدم ليقود التنمية.
فرض على الحكومة

ويرى الدكتور صلاح فهمي، أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر، إن دور الحكومة في النظام الحر أكبر من الاشتراكي، لأن هناك أمور يعجز الأفراد عن القيام بها، والحكومة هنا لا تتحمل ولكن المواطن هو الذي يتحمل معدلات تضخم غير مسبوقة بينما لديه أمل في المستقبل يخفت ويتضاءل.
ويضيف "فهمي" أن الحكومة تتكلم بذات اللهجة منذ 3 سنوات، ويجب عليها أن تتذكر خطابها، فكثير من الوعود لا يتم تحقيقها، وهذا يثير حالة من عدم ثقة مع المواطن.
