الإثنين, يناير 19, 2026
spot_img

الجريمة والعقاب في مصر

عندما صدرت رواية ” الجريمة والعقاب ” للروائي الروسي دوستويفسكي في ستينات القرن التاسع عشر، أثارت جدلا كبيرا ليس في المجال الأدبي فقط بل وفي المجتمع القانوني أيضا.

الرواية تناولت مفهوم الجريمة بشكل يخالف الرؤية التقليدية للمجرم، فبطل الرواية شخص عادي يرتكب جريمة قتل تحت ضغط الفقر، وبعد ارتكابه للجريمة التي كان يظن انها ستنقذه من الفقر وقع في صراع نفسي عميق حيث سيطر عليه الندم والخوف.

وتتولي أحداث الرواية وشخوصها لتظهر أنواع أخري من الجرائم مثل سونيا الفتاة المسيحية الطيبة التي تعمل في الدعارة بسبب الفقر، والرجل الثري الذي يقتل زوجته ليتمكن من الزواج من فتاة احبها، وتنتهي الرواية باعتراف البطل بجريمة القتل.

والملفت أن عقابه كان السجن ثماني سنوات فقط في سيبيريا  حيث سافرت إليه حبيبته سونيا، وتنتهي الرواية على غير المتوقع ببداية جديدة للبطل الذي ساعده الحب في الوصول للخلاص والتجديد الأخلاقي.

هذه الرواية العظيمة، جاءت في وقت كان ” علم الإجرام ” وعلم ” العقاب ” يتخبط بين النظريات القديمة وخاصة النظريات الرومانية، فالجريمة فعل شرير شاذ يقوم به شخصية إجرامية بطبعها سواء لعيوب جسدية أو عقلية وبالتالي يجب أن يكون العقاب مؤلما، وانتج فلاسفة الرومان ” نظرية الردع “ والتي تعني باختصار أن الخوف من ألم العقاب هو الذي يمنع الشخص من ارتكاب الجريمة.

لكن هذه النظرية التي سادت مجال القانون لقرون تراجعت منذ نهاية القرن التاسع عشر، وظهرت نظريات أكثر تطورا مثل الإصلاح وإعادة التأهيل والدمج المجتمعي.

أما في مصر فنظرية الردع تمثل ثقافة عامة راسخة، فالمجتمع المصري بشكل عام يقبل، للأسف، العقاب الجسدي كوسيلة تربية حيث يعد ضرب الأب لأبنه أو ابنته أمر طبيعي، بل يرى الكثيرون أن ضرب الزوج لزوجته هو تأديب مشروع، وحتي وقت قريب كان يحق للمدرس استخدام الضرب بالعصا كوسيلة تعليم مقبولة، وبالطبع يحق للسلطة توقيع عقاب قاسي علي مرتكبي الجريمة فمن أمن العقاب أساء الأدب كما يقول المثل العربي.

أما على مستوى مجتمع القانون المصري، فهناك انفصال بين المستوى الأكاديمي الذي يدرس نظريات علم العقاب الحديثة ووسائل إعادة التأهيل وينتقد العقاب القاسي والسجن طويل المدة ويطالب منذ عقود بإلغاء الحبس قصير المدة.

أما على المستوى التطبيقي فما زالت نظرية الردع مسيطرة تماماً، فكلما زاد معدل الجريمة قامت السلطة بتشديد العقاب، والغريب أن بعض الحقوقيين يدافعوا عن نظرية الردع حتى الآن كوسيلة لمحاربة الجريمة مثل المطالبة بتشديد عقوبة جريمة التحرش الجنسي، رغم أن علي مدار التاريخ لم ينجح الردع أبدا في الحد من الجرائم حتى الأخطر منها مثل القتل، ونظرة واحدة يوميا على الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي كافية لمعرفة مدى انتشار الجريمة في مصر رغم النظام العقابي القاسي.

الحقيقة أن المنظومة القانونية المصرية تعاني من مشكلات عميقة خاصة على المستوى العقابي، فسلطة التشريع تخضع بدرجة كبيرة للثقافة السائدة للعقاب والسلطة التنفيذية تؤمن بشكل راسخ بأن يكون الخوف حالة مستمرة وتقوم ببناء الكثير من السجون بدلا من تفريغها كما يقول علم العقاب الحديث.

والخطير هنا، أن حالة التخويف المستمرة تأتي غالبا بنتائج عكسية، فطبقا لمؤشر الجريمة العالمي ” نامبيو ” جاءت مصر في المستوى 18 بين الدول الإفريقية في معدلات الجريمة بمعدل 47.3 على المؤشر، والمرتبة 65 عالميا، وهو ما يؤكد ارتفاع مستوى الجريمة في مصر.

وبعيداً عن الدراسات العديدة التي تتناول معدلات الجريمة في مصر، فالمجتمع يلمس واقعيا مدي انتشار الجريمة، وعلى الجميع أن يعيد التفكير في نظام العقاب في مصر والذي لم يحقق الهدف الاساسي، وهو تحقيق الأمن والحد من الجريمة فالأمن لا يتحقق بالخوف.

التعليقات

موضوعات ذات صلة