وإذا شكت عُنِفت.. “تمارا” ورحلتها اليومية في المواصلات العامة

 

“من إمبابة إلى مدينة نصر” ..الرحلة اليومية التي تقطعها “تمارا” كل يوم كي تذهب إلى عملها في أحد محلات الملابس، لكنها ليست رحلة عادية، بل مليئة بالمتاعب ومخاطر التحرش ودوامة الإنكار من الجناة، و”كراهية” لصوت “امرأة” تُعلن رفضها للتحرش أو التقليل من شأن دورها في الحياة..

امرأة، في الشارع، تحاول توفير ما تصرفه على “المواصلات الخاصة”، باستخدام المواصلات العامة، التي تواجه فيها كل أنواع الرفض والتحرش والعنف، خاصة إذا علا صوتها برفضا تصرفات ” الذكور” تجاهها.

وفق بيان الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، عن العنف ضد المرأة  والصادر في نوفمبر 2019، فإن 6.6 من النساء في مصر تعرضن للتحرش سواء لفظيًا أو جسديًا في المواصلات العامة، ونسبة 9.6 تعرضن لكافة أشكال التحرش الأخرى فيي الشارع المصري.


تبدأ تمارا رحلتها في السابعة صباحا كل يوم حين تستيقظ مبكرا كي تعطي لوقتها البراح، فربما تصل إلى موقف السيارات القريب من بيتها وتركب سريعًا تلاحقها مخاوف أن يتحرش بها أحد.

تنتظر أحيانًا لأكثر من نصف الساعة، ولكن حين تصل  السيارة أخيرًا، قد لا تستطيع الوصول إليها بسبب التدافع، وفي بعض الأحيان قد “تأخذ كتفًا” من أحدهم حتى يضمن مكانه في الميكروباص .

تنهال عليها المضايقات تباعًا، سواء اللفظية والجسدية ممن يجلسون بجانبها أو خلفها، حتى إنها إذا اعترضت سمعت عبارات مثل “هو أنا جيت جنبك؟! -إنتي فاكرة نفسك حلوة؟ هنبصلك على إيه؟!”

تحكي تمارا لـ”فكّر تاني”: ” مرة واحد لسة هركب وطالعة الميكروباص، مستناش أما أطلع، لقيته نازل من على -الكرسي المتحرك- وبيخبَط فيا، وواحد تاني أول ما قعدت جنبه لقيته بيوسع مكانه ويضيقها عليا، وكأنه قاصد يخبط في جسمي ويتحرش بيا، أو يضايقني وخلاص “.

تمارا نموذج لكل البنات، يشير إلى ما يتعرضن له في المواصلات العامة، فهي رحلة شاقة على كافة المستويات، فبالإضافة إلى الزحام والانتظار والتأخير، تأتي التلميحات أو النظرات أو العبارات الإباحيّة، أو كل ما سبق، وفق تأكيدها. 

حين اضّطرتْ تمارا إلى استخدام  وسائل نقلٍ مريحة نسبيًا -على حد قولها- مثل تطبيقات “أوبر” و”إن درايف”، تجد أنها أمام عائق مختلف، هو العائق المادي، حيث أثّر ذلك على دخلها الضئيل، فعلى حد تعبيرها: “نص المرتب، أكثر من الـ 1000 جنيه شهريًا بيضيع على الأوبر”.

تجد تمارا نفسها بين اختيارين لا ثالث لهما، إما التخلي عن الجزء الأكبر من راتبها الشهري، كي توفر على نفسها عناء “الميكروباصات” أو تتعرض للمضايقات يوميًا وهو ما أصبح غير محتمل.

وأوضحت تمارا أنها لا ترغب في الدخول في دائرة تحرير محاضر بهذه الوقائع، ولأسباب كثيرة منها: الخوف من  العائلة، والروتين، والإجراءات، ونظرة المجتمع بالكامل الذي يفضل عدم دخول بنات الأقسام. 

الدراما شاهد إثبات 

استطاع فيلم “678” إنتاج 2010 للمخرج محمد دياب وبطولة بشرى، وناهد السباعي ونيللي كريم، أن يبرز العديد من أنواع المُضايقَات التي تتعرّض لها السيدات في المواصلات والأماكن العامة، سواء مضايقات لفظيّة أو تحرش جسدّي باللمس.

تعرضت بطلات العمل الفني للتحرش الجسدي بالمواصلات والأماكن العامة، وعندما حاولن  فضح الجناة؛ يتم وصفهن إما بالجنون أو الادعاء والكذب.

 

 “حسناء” تعرضت لمحاولة تحرش من أحد الجالسين إلى جوارها بالميكروباص، وحين واجهته، وفق ما قالت لـ”فكر تاني” ، تعرضت للهجوم من شاب صغير في السن وتعرض لها بالسب والقذف بكثير من الألفاظ النابية.

“ده راجل قد أبوكي .. صوري ياختي” قال الشاب لها ، ساخرا منها عندما بدأت بالتصوير عبر كاميرا الموبايل، بينما يقوم بحركات بذيئة.

وتتمثل عقوبة السب والقذف طبقا للمادة (302) من قانون العقوبات المصري، السجن لمدة لا تزيد عن عامين في حالة ارتكاب جريمة القذف، وكذلك الغرامة المالية التي لا تجاوز مائتي جنيهٍ، أو بهاتيْن العقوبتين.

أما فاتن محمود، فقد تعرضت للهجوم داخل إحدى العربات المشتركة في مترو الأنفاق، فبمجرد دخولها سمعت: “إيه اللي مركبك هنا؟!” وتقول فاتن لـ”فكر تاني” : “حسيت بالكراهية”

يصبح خطاب الكراهية انتهاكًا لحقوق الإنسان، إذا كان يُحرض على التمييز أو العداء أو العنف تجاه شخص أو مجموعة محددة من الأشخاص، أو تجاه فئات اجتماعية بناء على النوع أو العرق أو الهوية الدينية والمجتمعية.

فرض سيطرة

“شعرت باحتكاكه في ظهري” هكذا وصفت “إيمي” ما تعرضت له أثناء وقوفها في طابور استخراج “كارنيه الاشتراك السنوي” من محطة مترو الأنفاق.

تقول إيمي لـ”فكر تاني ” : كان يقف خلفي في الطابور رجل كبير، صُدمت، ولم أستطع حتى الصراخ أو الاستعانة بأحدهم، وكل ما فعلته أنني تركت الطابور ثم انصرفت”.

لم تستطع إيمي استكمال أوراقها، فقد شعرت بالخوف وانسحبت، بعد أن فقدت إحساسها بالأمان  وتعرضت لنوع من العنف الموجه، الذي يمارسه بعض الرجال في محاولات فرض السيطرة والهيمنة الذكورية.

اقرأ أيضاً:“مش عايزة أشوف أوضة بالشكل ده تاني”.. التحرش خلف ستار أبيض

قوانين السّب والقذف غير مُنصفةٍ

تحكي المحامية الحقوقية، انتصار السعيد، رئيس مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، عن واحدة من الوقائع المثبتة التي تتعرض لها السيدات في المواصلات العامة.

تقول السعيد: “تعرضت (ن.أ) عام 2019، للتحرش الجسدي داخل ميكروباص، حيث قام أحد الركاب بلمس جسدها، وكان ذلك عقب صدور قانون التّحرش للعام 2014، فتوقف السائق أمام أحد أقسام الشرطة باصطحاب شاهد عيان على واقعة التحرش.

المحامية انتصار السعيد
المحامية انتصار السعيد

وحين حاول الجاني الفرار بالقفز من النافذة، تمكن أحد شهود العيان من الإمساك به، واستمرت القضية لما يقرب من ثمانية أشهر بالمحكمة، وتم الحكم على الجاني بالحبس لخمس سنوات، إضافةً إلى غرامة مالية، وكانت التّحريات قد أثبتت تورّط الجاني نفسه في واقعةٍ مشابهة مُنَافية للآداب، مما ساعد المجني عليها في الحصول على حقها كاملاً وبسرعة. 

وتشير انتصار السعيد إلى أن هناك واقعة أخرى لم تتمكن فيه الفتاة الشاكية من الحصول على حكم، وذلك لعدم وجود شهود اثبات لوقعتها.

أما عن القوانين تقول السعيد، أن العقوبات الخاصة بالسّب والقذف هي عقوبات عامة تخص النساء والرجال على حدٍّ سواء؛ فنحن نحتاج إلى نصوص قانونيّة مُختصة بسب وقذف النساء داخل المواصلات العامة وليس مُجملاً، كما نحتاج إلى قانون مُوحّد لتجريم العنف ضد النساء بالمواصلات العامة أيضًا.

طفرة في قضايا التحرّش

وتشير السعيد إلى أن قضايا التحرش في السنوات الأخيرة تطورت بمعدل سريع، قائلة: “جميع درجات التقاضي الخاصة بالتحرّش سواء كانت درجة أولى، استئناف، مُعارَضة أو أحكام نهائيْة، فإن البتّ والحكم فيها أصبح يتم في مدة ستة أشهر تقريبًا.

وتوضح السعيد، أنه قبل السنوات الأخيرة، لم يتمْ -على سبيل المثال- حبس المُتّهم على ذمّة التْحقيق في تلك القضايا؛ لكن حاليًا يتم حبسه على ذمّة التّحقيق حتى مع حفظ البلاغ لعدم كفاية الأدّلة؛ كما يتم الآن الحكم في الجُنح والجنايات المُتعلّقة بالتّحرش بشكلٍ مُنجزٍ وسريعٍ ويسيرٍ.

اقرأ أيضاً : في قضايا التحرش.. لماذا تهرب الضحايا من اللجوء للعدالة؟

 الهيمنة الذكوريّة

بيير بورديو
بيير بورديو

يقول عالم النفس الاجتماعي بيير بورديو، عن “نظرية الهيمنة الذكورية”: إنّ التنشئة الاجتماعية التفاضلية تُهيىء الرجال لحب ألعاب السلطة؛ والهيمنة الذكورية هي سحر السلطة –نسبةً إليهم- ومن هذا المنطلق؛ فإن ما تتعرض له النساء من عنفٍ وكراهية في المواصلات هو واجب وأمر مفروغ منه للاحتفاظ بـ “رجولتهم”.

ويرى عالم النفس الدكتور جمال فرويز، في حديثه لـ”فكر تاني” أنّ العنف المُمارس ضد النساء أو بالأحرى الكراهية المُوجهة ضدهم في المواصلات؛ هو نتاج مجتمع ذكوري يحاول فرض سيطرته بالقوة.

فعلى سبيل المثال، وفق فرويز، لدى بعض الرجال اضطرابات في الشخصية أو ذوي قدراتٍ عقلية محدودة، تجعلهم يُمارسون كل أنواع الكراهية المُوجهة، وهناك الـ”عاطلين” الذين يتجهون إلى العنف كنوعٍ من الإسقاط الاجتماعيّ والنفسيّ.

ويضيف فرويز، أن المتحرش يبدأ بأفعال سلبيّةٍ من سبّ قذف، تلميحاتٍ وعبارات عدائيّة، إيماءات جسديّةٍ بنظرة أو بحركات الشفاة، ثم تتطور إلى تضييق الخناق على النساء؛ وعدم ترك مسافة بينه وبينها، وهناك ما يسمى بـ “الإسقاط الأسري” فيصُبون غضبهم على الأخريات لعدم قدرتهم -مثلا- على مواجهة زوجاتهم

ويرى فرويز، أنها ثقافة موروثة، سواء في الرغبة في السيطرة أو العنف بشكل عام، وهو دليل على نقص القدرات العقليّة، واضطرابات الشخصيّة والذي ينتج عنه هذا الكم من العنف والكراهية تجاه النساء، بل قد يصل الأمر إلى التطاول بالأيدي وربما الخطف والاغتصاب.

العنف ضد النساء والاقتصاد

بدوره، يرى الدكتور أحمد خطاب، الخبير الاقتصادي عضو مجلس مصر الكندي، أن تعرّض النساء للعنف بكافة صوره في المواصلات العامة يؤثر سلبًا على الاقتصاد، علما بأن  50% من العمالة في مصر من السيدات.

وأشار إلى أن السيدات يتحملن العبء الأكبر من المسؤوليات داخل الأسرة وإذا تعرضن للمضايقات المفرطة؛ سيؤثر حتمًا على الاقتصاد بشكل ملحوظ، مشددًا على أهمية عمل المرأة؛ لأنه يحسن من مستوى المعيشة.

وأوضح خطاب، أن تحسن الظروف الاقتصادية، قد يقوض المُضايقات التي يتعرضن لها النساء؛ فربما يتم وضع كاميرات للمراقبة تمكن النساء من متابعة الواقعة التي قد يتعرضن لها ما الحصول على حقها كاملاً من الشرطة.

وفق خطاب، فإن النسبة المُتحرّشة من الرجال هي نسبة ضئيلة من المجتمع المصري، لا تتعدى ال 1% ، قائلا :” لقد تربينا على احترام المرأة وعدم تجريحها أو مُضايقتها “.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة