عندما دافع الرئيس إيمانويل ماكرون عن قراره، الشهر الماضي، بالدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة، أصر على أن فرنسا تحتاج إلى "توضيح" وضعها السياسي. اليوم، وبعد أن أدلى الفرنسيون بأصواتهم النهائية في الانتخابات، أصبح الوضع أكثر التباسًا.
لم تسفر الانتخابات التي انتهت الإثنين لاختيار 577 مقعدًا في الجمعية الوطنية، أقوى مجلس برلماني في البلد الأقوى داخل الاتحاد الأوروبي حاليًا، عن تشكيل أي أغلبية عملية. بدلًا من ذلك، تركت الأمر معلقًا دون إجابة على سؤال: من سيكون رئيس الوزراء التالي لفرنسا، ومن سيشكل الحكومة التالية، وأين تتجه البلاد. وهو ما حاولت صحيفة "نيويورك تايمز" الإجابة عليه في تقرير تحليلي جديد للوضع السياسي داخل فرنسا.
ما هي نتائج الانتخابات الحالية؟
خلال الانتخابات، ظهرت ثلاث كتل كبيرة - فقدت كل منها الزخم المطلوب الذي يؤهلها لأن تحكم بمفردها- وربما تكون كلها معادية للتعاون فيما بينها لاختلافاتها الأيدولوجية الواسعة. وفي ظل هذا الوضع.
لم تصل أي من هذه الكتل إلى الحد الأدنى للأغلبية المطلقة، 289 مقعدًا، الذي سيمكنها من تشكيل حكومة قادرة على البقاء رغمًا عن خصومها، إذ حصد التحالف الجديد لليسار، الذي يضم الخضر والشيوعيين والاشتراكيين وحزب اليسار الصلب "فرنسا العصيانية"، حوالي 180 مقعدًا في الجمعية الوطنية. وجاء الرئيس ماكرون وحلفاؤه المحافظون في المرتبة الثانية، بحوالي 160 نائبًا، بينما حل حزب اليمين المتطرف المعادي للهجرة "الجمعية الوطنية" وحلفاؤه بعدهم، بحوالي 140 نائبًا.
نظام الانتخابات ذو الجولتين في البلاد عادةً ما ينتج أغلبيات مطلقة يهيمن عليها حزب واحد متحالف مع الرئيس ويشكل الحكومة. لذا كانت نتيجة هذه الانتخابات غير عادية.

تحالف أم فوضى.. ما تنتظره فرنسا بعد الانتخابات
"إنها قفزة إلى المجهول"؛ يقول أوليفييه كوستا، أستاذ البحوث في مركز البحوث السياسية في جامعة علوم السياسة بباريس.
أحد الاحتمالات التي طرحت قبل الانتخابات - عندما كان مستطلعو الرأي يتوقعون أداءً أقوى بكثير لليمين المتطرف - كان التعايش. يحدث ذلك عندما يفوز حزب منافس للرئيس بأغلبية مطلقة. بعد ذلك، يضطر الرئيس تقريبًا إلى اختيار رئيس وزراء من ذلك الحزب أو يواجه تهديد التصويتات المتتالية بسحب الثقة من مرشحه.
اقرأ أيضًا: انتخابات الاتحاد الأوروبي.. ماذا بعد صعود اليمين المتطرف؟
الآن، يصر قادة التحالف الجديد لليسار على أنهم نظرًا لتصدرهم الأول، يجب أن يعين الرئيس ماكرون شخصًا من صفوفهم كرئيس وزراء؛ ثم يُسمي ذلك الشخص حكومة. ولكن الحزب وحلفاؤه يفتقرون إلى نحو 100 نائب لتحقيق للأغلبية المطلقة المطلوبة للبقاء بأمان بعيدًا عن كارد سحب الثقة من قبل الأحزاب الأخرى في المشهد السياسي المتصادم الحالي.
كذلك، ووفق "نيويورك تايمز"، من المستبعد جدًا -في الوقت الحالي- أن يختار الرئيس ماكرون شخصًا من حزب الجمعية الوطنية المتطرف اليميني أو من حزب اليسار الشديد "فرنسا العصيانية"، اللذين وصفهما بـ "المتطرفين"، ورفضت مجموعات سياسية أخرى التعاون معهما.
بدلًا من ذلك، قد يكون أمام الرئيس إمكانية التواصل مع أحزاب داخل التحالف الجديد لليسار التي تتمتع ببعض التقارب مع تحالفه المحافظ، لكن تلك الأحزاب لا تزال تظهر القليل من الاستعداد للعمل مع ماكرون، كما تنقل الصحيفة الأمريكية.
نظريًا، يُمكن للرئيس ماكرون أن يعين أي شخص - حتى من لا يكون عضوًا في البرلمان - طالما أن الشخص يعكس توافقًا سياسيًا في الجمعية الوطنية. اقترح بعض المحللين والسياسيين فكرة تشكيل تحالف واسع يشمل عدة أحزاب داخل الكتل الثلاثة الرئيسية التي يمكن أن تتفق على رئيس وزراء وأجندة سياسية محدودة.

ولكن هذا ليس سهلًا في الوضع الفرنسي الراهن.
"ليس لدى أي من القوى السياسية مصلحة كبيرة في العمل مع بعضها البعض، لأن أحزاب فرنسا تم تصميمها أساسًا لتربية مرشحين رئاسيين"، قال كوستا، مشيرًا إلى أن العديد من منافسي ماكرون وحلفاؤه كانوا بالفعل يضعون الأسس للترشح الرئاسي في عام 2027، حينما سيحل موعد رحيل الرئيس.
هل هناك موعد محدد لاختيار رئيس الحكومة؟
قانونيًا، لا يوجد موعد نهائي أقره الدستور الفرنسي لتعيين رئيس وزراء وتشكيل حكومة.
قدم غابرييل أتال، رئيس الوزراء الحالي لماكرون، استقالته يوم الإثنين، كما هو معتاد بعد الانتخابات التشريعية. لكن ماكرون طلب منه البقاء تسييرًا للأعمال ولضمان "الاستقرار"، وفقًا لقصر الإليزيه.
قد يبقى "أتال" على الأقل للتعامل مع أعمال إدارة البلاد خلال أولمبياد باريس الصيفية، التي تنتهي في 11 أغسطس. ولكن الشلل المستمر سيعيق بشكل كبير قدرة فرنسا على الموافقة على ميزانية في الخريف وتنفيذ أي تشريعات هامة.
هل يمكن لماكرون أن يخرج من هذا التعقيد عن طريق الدعوة لانتخابات جديدة؟ هذا الأمر لا ترجحه "نيويورك تايمز" في الوقت القريب، ولا يقره الدستور أيضًا، الذي يُلزم الرئيس بأن ينتظر مدة عام على الأقل بعد هذه الانتخابات ليتمكن من الدعوة لانتخابات جديدة.
وهذا يعني أن الجمعية الوطنية المنتخبة حديثًا ستكون في مكانها على الأقل حتى ذلك الحين، ويمكن للنواب سحب الثقة من أي رئيس حكومة لا يريدونه، دون القلق من التهديد بإرجاعهم إلى صناديق الاقتراع.