تروح فين الشمس يا عمال اليومية؟

في درجات حرارة قاسية وصلت في بعض محافظات مصر إلى 50 درجة مئوية، ليس أمام العمال في مجال البناء مثل “سمير صالح” ورفاقه إلا الاستمرار في بذل مزيد من مشقة تضعهم عرضة للإصابة بالإجهاد الحراري الشديد ومخاطر ضربات الشمس القاتلة. هنا، لا مجال سوى للبذل سعيًا خلف لقمة عيش يعودون بها إلى عيالهم.

في العام 2022، حذرت المؤسسات الأممية من أن مصر تقع ضمن الدول شديدة التأثر بتغير المناخ، مع الزيادة المتوقعة في موجات الحر والعواصف الترابية والعواصف على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​والظواهر الجوية الشديدة. وقد تم توثيق احترار أقوى على مدار الثلاثين عامًا الماضية، مع زيادة متوسط ​​درجات الحرارة السنوية بمقدار 0.53 درجة مئوية لكل عقد.

عمال اليومية.. تروح فين الشمس!

“سمير صالح” -29 عامًا- وهو أب لطفلين، يعيش في منطقة أوسيم، بمحافظة الجيزة، يعمل في قطاع البناء والتشييد منذ 15 سنة، وفي ظروف جوية أحيانًا تكون الأصعب.

سمير ورفاقه يواصلون العمل في ظروف صعبة مع ارتفاع درجات الحرارة - صورة خاصة
سمير ورفاقه يواصلون العمل في ظروف صعبة مع ارتفاع درجات الحرارة – صورة خاصة

تقدر إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (رسمي) قوة العمل في السوق المصري بنحو 29.358 مليون عامل خلال عام 2021، بينهم نحو 24.296 مليون فرد من الذكور، و5.062 مليون من الإناث.

يقول “صالح”، في حديثه لـ”فكر تاني”: “في شغلنا ما فيش وردية ليل ولا استراحة في وقت الحر الشديد.. بنشتغل بصرف النظر عن الجو.. احنا صنايعية مش بهوات على مكاتب معندناش حرية نختار أوقات الشغل، وما ينفعش نعطل الشغل لبعد انكسار  الحرارة”.

اقرأ أيضًا: عن تصدير العمالة المصرية للخارج

يتعرض الكثير من العمال بين الحين والآخر لضربات شمس وإجهاد حراري بسبب ارتفاع درجات الحرارة، بينما أخطر ما قد يواجهونه تحت تأثير الشمس هو أن فقدان التوازن أثناء العمل على ارتفاعات كبيرة. لذا، فإن المقاول وبمجرد أن يكتشف عاملًا أصيب بالإجهاد الحراري يتخذ قرارًا فوريًا بإنهاء ورديته، وما يحدث لاحقًا هو أن العامل المصاب يترك العمل لحين تعافيه دون أي دخل ينفقه على علاجه أو أسرته، وهو ما يدفع بعضهم إلى مقاومة الحرارة وتحمل العمل تحت أي ظرف أملًا في الأجر المهدد بالضياع لو ظهرت عليه علامات الإجهاد.

الإجهاد الحراري خطير

على عربة صغيرة مصممة للسير في الشارع، يبيع “عمر أشرف” -21 عامًا- فاكهة الموز. “بشتغل حوالي 13 ساعة يوميًا، من 12 ظهرًا ولحد الساعة واحدة صباحًا، ليحصل ما يقرب من 150 جنيهًا في آخر يومه”.

في عز الحر يتحدي اشرف الشمس من أجل لقمة العيش - صورة خاصة
في عز الحر يتحدي اشرف الشمس من أجل لقمة العيش – صورة خاصة

يقول “أشرف” القادم من محافظة سوهاج، لـ”فكر تاني”: “ما بوقفش شغل مهما كانت درجات الحرارة مرتفعة.. مضطر عشان لقمة العيش.. بحمي نفسي بشمسية أو بدور على حتة ضل وإن كانت الرطوبة العالية ما فيش هروب منها”.

يقول د.علاء عوض أستاذ أمراض الكبد والجهاز الهضمي، لـ”فكر تاني”: “لم تعد الوقاية من تأثير الارتفاع الشديد في درجات الحرارة رفاهية، بل أصبح ضرورة ملحة في الوقت الحالي لحماية الفئات المعرضة للإجهاد الحراري من المخاطر المسببة له”.

يضيف “عوض” أن الإجهاد الحراري حالة معروفة خاصة في ظل التعرض المباشر لأشعة الشمس، والأجواء الحارة، ولابد من توفير أشكال الحماية سواء كان داخل أماكن مغلقة مظللة أو بها تهوية جيدة أو مكيفة أو في وجود مظلات في الشوارع أو وجود كمية كبيرة من السوائل.

ويوضح أن أدنى درجات الإجهاد الحراري تؤدي إلى بعض الأعراض مثل الغثيان والدوخة والإعياء وبعض التشنجات، وحينها يحتاج المصاب إلى التواجد بمكان جيد التهوية ودرجة حرارة أقل من الطبيعي مع منحه كمية كبيرة من السوائل، بحيث يمكن تعويض النقص في السوائل.

د.علاء عوض
د.علاء عوض

ويحذر “عوض” من أن الإجهاد الحراري في أقصى درجاته قد يؤدي إلى حدوث الضربة الحرارية والمعروفة شعبيًا بـ”ضربة الشمس”، والتي تؤدي إلى أعراض أكثر خطورة، منها: الاضطراب في وظائف المخ وبعض الهذيان والغيبوبة وأحيانًا قصور في الوظائف الحيوية للقلب والكليتين وأجهزة كثيرة في الجسم.

ويؤكد “عوض” أن العمال في تلك الظروف يحتاجون لشروط حماية من الإجهاد الحراري، بتوفير المظلات أو توفير كمية كبيرة من السوائل أو تجنب العمل في أوقات الذروة، مع اختيار ملابس تحمي من الحرارة العالية، وارتداء أغطية للرأس للحماية من الحرارة المباشرة، بجانب وجود إسعافات متوفرة في حال التعرض للحرارة الشديدة .

الموجة الحارة وشروط السلامة

هناك الكثير من العمالة غير المنتظمة والتي لا تخضع لقانون العمل وبالتالي لا تطبق عليها شروط السلامة والصحة المهنية، والتي باتت غير كفاية في ظل المتغيرات المناخية.

اقرأ أيضًا: هل يمكن تأجيل حقوق العمال؟

ينص قانون العمل الموحد رقم 12 لسنة 2003، في مادته رقم 208 من باب تأمين بيئة العمل، على أن تلتزم المنشأة وفروعها بتوفير وسائل السلامة والصحة المهنية وتأمين بيئة العمل في أماكن العمل، بما يكفل الوقاية من المخاطر الفيزيائية الناجمة عن العديد من المظاهر، منها الإجهاد الحراري والبرودة.

“شعبان محمد” عامل نظافة يعمل باليومية، تجاوزت سنه الخمسين، وهو أحد نماذج العمالة غير المنتظمة التي تعاني في بيئة عمل غير مهيئة لحماية المنتمي لها.

عمال النظافة أحد ضحايا ارتفاع درجات الحرارة- صورة متداولة
عمال النظافة أحد ضحايا ارتفاع درجات الحرارة- صورة متداولة

يعمل “محمد” لحساب “مقاول أنفار” (مسؤول يقوم بالإشراف على جمع العمال)، في دورية عمل تبدأ في الثامنة صباحًا وتنتهي في الثامنة مساءً. “بنتشحن الشحن زي أعزكم الله… في عربية المقاول مع زمايلي، وعيني على نهاية الشهر والمرتب الـ 3500 جنيه شهريًا.. ما أقدرش أطالب بأي حقوق عشان أنا شغال من غير عقد عمل، ازاي بقى هسأل عن الحر ودرجة الحرارة العالية، حتى لو الدنيا نار مضطر اشتغل عشان الـ 3500 جنيه”.

يتعاقد المقاول -بحسب الخمسيني “محمد”- مع إحدى الشركات التي تعمل في مجال التطوير العقاري، ومهمته توريد العمالة للشركة من الباطن لتخليص الأعمال الخدمية في منطقة الشروق 2 شرق القاهرة، ولذلك فهو يعتبر سيد قراره، يختار من يبقى بالعمل ومن يرحل.

القانون بحاجة لتعديل حماية لإنسانية العمال

مصطفي خيري المحامي الحقوقي
مصطفي خيري المحامي الحقوقي

يرى مصطفى خيري، المحامي بوحدة العمال بالمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أن شروط السلامة والصحة المهنية المدرجة حاليًا ضمن قانون العمل 12 لسنة 2003 بحاجة إلى تعديلات فورية لمواجهة أزمات مثل ارتفاع درجة الحرارة.

ويشير “خيري”، في حديثه لـ”فكر تاني”، إلى أن القانون تحدث عن الوطأة الحرارية وهو معني في صيغته هذه بمناطق العمل الخاصة، مثل المناجم ومصانع الحديد والصلب ومصانع البتروكيماويات والإسمنت وخلافه، بينما لم يشمل المهن التي يتعرض أصحابها للعمل في حرارة الشمس المباشرة، مثل رجال المرور وعمال النظافة وعمال البناء والإنشاءات.

المناخ فرض التغيير

في المقابل، هناك نماذج تعمل على تحسين وضع بعض العمال بما يتواءم مع معايير السلامة والصحة المهنية.

“جمعية روح الشباب” نموذج في هذا الإطار لتحسين الحالة المعيشية لجامعي القمامة، حيث ساعدت العاملين في مجال جمع القمامة على تأسيس شركات تضعهم في إطار قانوني محدد يخدم حقوقهم، وقد بلغت هذه الشركات 35 شركة مسجلة جميعها في وزارة الاستثمار.

يقول يوسف فريد رئيس مجلس إدارة الجمعية، لـ”فكر تاني”: “ساعدنا حوالي 120 ألف جامع قمامة حتى الآن، في مناطق مثل منشية ناصر، والخصوص وعزبة النخل، والمعتمدية والبراجيل، و15 مايو بحلوان”.

“ووفق هذا الإطار الذي تمكننا من إرسائه أصبح هناك نظام محدد لساعات العمل، يبدأ من بعد صلاة الفجر وحتى العاشرة صباحًا بحد أقصى، تفاديًا للارتفاع الشديد في درجات الحرارة. لقد دفتنا التغيرات المناخية الحادة إلى هذا النهج وتغيير قواعد السلامة والصحة المهنية، ومنها التشديد على ارتداء أغطية للرأس واقية من أشعة الشمس”؛ يضيف “فريد”.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة