كشخص لاديني من خلفية مسلمة، فأغلب معارفي وأصدقائي اللادينيين آتون من خلفية مسلمة، مثلي. لذلك، أجد في دوائري النقاش مفتوحًا -دائمًا- عن نقد الإسلام؛ لكن من النادر أن أجد نقدا للمسيحية من ملحدين.
كما هو من النادر أن يمر عليّ لاديني من خلفية مسيحية. وإن تواجد فلا يكون غياب معتقداته الدينية تامًا بل يبقى أثر لا بأس به منه في نفسه.
اقرأ أيضا: “آمل أن تتفهموا وتغفروا لي”.. من قتل نهى سالم؟
ترك المسيحية ولا زال يصلي في الكنيسة

ليس من الغريب أن أتعرف على شخص لاديني لا يفارق الصليب صدره، أو أجده ما زال محافظًا على زيارته للكنيسة، أو الاحتفال بأعيادهم.
أثار الأمر تساؤلي، فلم لا يتم انتقاد المسيحية بنفس الضراوة مثل الإسلام؟ ولم لا يملك اللادينيون من خلفية مسيحية نفس القدر من الانفصال عن خلفيتهم الدينية؟ بالمقارنة مع اللادينيين من خلفية مسلمة في مصر.
فتحت هذا النقاش مع أحد أصدقائي اللادينيين من أصل مسيحي. مراد فنان في الثامنة والعشرين من عمره يقطن في بلدة صغيرة جنوب مصر، يمثل المسيحيون منها نسبة كبيرة. وتمثل الكنيسة ملتقى أساسيا لهم.
يخبرني مراد أن أكثر ما أحبه بشأن الكنيسة هو الأنشطة الفنية. ففي صغره أحب الرسم و-بالطبع- دعمته الكنيسة، حيث كانت تنشر أعماله الفنية في مجلة "مدارس الأحد". كما شارك في المسابقات الفنية التي أقامتها الكنيسة بشكل دوري.
"الكنيسة ليست كما المسجد الذي يقتصر على الصلاة وحفظ القرآن وخطب الجمعة. بل هي كيان اجتماعي متكامل، أشبه ما يكون بالأسرة". هكذا يعتقد صديقي مراد.
ففي مجتمع الكنيسة يعرف الجميع بعضهم وينخرطون في حيواتهم. وفي حالة التغيب عن زيارتها، يكلف خادم فيما يعرف باسم "نشاط الافتقاد" بالسؤال عن حال المتغيب، إما بالزيارة المنزلية أو المكالمة الهاتفية.
ولد مراد لأبوين كاثوليكيين في مجتمع أغلبه من الأرثوذكس. تم استقطابه في سن الثانية عشرة من قبل خدام الكنيسة الأرثوذكسية للانضمام لكنيستهم ليعاد تعميده بحجة أن تعميده السابق ليس بصحيح.
انضم للكنيسة الأرثوذكسية مع شقيقه الأصغر، مما تم اعتباره في حينها انتصارا لهم، وتحول الأمر لمنافسة ما بين الكنيسة الأرثوذكسية والكاثوليكية في محاولة لإبقائهم من الجهة الأولى ولاسترجاعهم من الجهة الثانية.
في حين لم يهتم هو أو شقيقه بهذا الصراع من الأساس. مراد كان من أبناء الطبقة المتوسطة وطالبًا في مدرسة حكومية فقيرة بالأنشطة الترفيهية والاجتماعية ولم تتواجد في بلدتهم أي مؤسسات ثقافية تذكر. فكان الترفيه الوحيد المتاح له عبر الكنيسة الأرثوذكسية التي وفرت له أنشطة أكثر تنوعًا وإغراء.
بداية رحلة الشك

"كانت تلك بداية الشك. تساءلت عن سبب صراع الكنائس، حيث تدعي كلا منهما أنها على صواب فهل يحتمل أن يكونا على خطأ؟". بدأ مراد بعرض أسئلته على خدام الكنيسة. في البداية رحبوا بأسئلته رغبة منهم في تقوية إيمانه ودرء الشكوك.
لكن حين تكاثرت أسئلته ولم ترضه أجوبتهم، أبدوا ضيقهم وتململوا منه. لهذا السبب بدأ بحثه الخاص عبر الإنترنت واكتشف أن أغلب ما قرأه في كتب الكنيسة وأخبره به الخدام ليس صحيحًا.
من الديانات التي تم انتقادها وشيطتنها بقسوة من قبل الكنيسة هي البوذية، فنشأ مراد على اعتقاد أن البوذيين يستخدمون السحر الأسود ويتعبدون للشيطان، وحين بحث عن هذه المعلومات، اكتشف خطأها، وحينها فكر أنه ربما كل ما يخبرونه به عن الآخرين واعتقده طيلة حياته قد يكون مجرد تزييف أيضًا.
مال خدام الكنيسة التي انتمى لها مراد إلى زرع مبادئ السماحة في وجدان روادها. وهو ما لم يفده بشيء حين تعرض للتنمر والعنف الجسدي من قبل بعض زملائه المسلمين في المدرسة. حينها بدت المسامحة فكرة سخيفة.
سائلا الله، فكّر مراد: لم لا يدافع الله عنه إن كان يحبه. ولم يتوعده بالجحيم في الآخرة في حين أن حياته في الدنيا جحيم بحد ذاته.
اقرأ أيضا: بعد تعديل القانون.. عقوبات جديدة لمرتكبي جريمة التحرش والتنمر
الفن أبعدني عن الكنيسة
على الرغم من اهتمام الكنيسة بالأنشطة الفنية إلا أن الفن فيها كان مقتصرًا على الأساس الديني. فكان الرسم موضوعه القديسين وموسيقى الترانيم وقصص تعظ بأهمية التقرب من الرب.
حين اكتشف عالم السينما والأدب وجد نفسه في رحب فلسفات مختلفة عما تربى عليه عن الدين والرب. بل تميل إلى انتقاد كل ما نشأ على تمجيده.
أراد مراد استخدام الفن كوسيط للتعبير عن أفكاره وأن يكون له حرية انتقاد ما نشأ على اعتقاده.
فلم تعد مؤسسة الكنيسة ذات جدوى له حينما لم تمنحه الحرية للتعبير الفني كما تمنى. لذلك لجأ للتعبير عن نفسه خارج حدودها ومن ثم بدأ مسرح مستقل خاص به.
على الرغم من تحفظه فيما يعرضه، مقيدًا بأعراف المجتمع، إلا أن ذلك حرمه من الحصول على الدعم من قبل الكنيسة. شعر مراد بالنبذ واعتبروه منشقًا عنهم. فغرق في الإقصاء والمحاصرة.
وبينما لا توجود عقوبات دنيوية على شاكلة الجلد أو الرجم، إلا أن النبذ المجتمعي هو مشكلة حقيقية تواجه اللا دينيين من خلفية مسيحية.
بداية مراد في التشكيك كان في صلب كيان الكنيسة لكن تحول هذا التشكيك إلى الكيان الإلهي شخصيًا.
بعد مرور سنوات من انفصاله عن الكنيسة وتجاوزه هذا الصراع لم يعد من المهم بالنسبة له الانتماء للكنيسة ولا معاداتها. إذ قدمت له نوعًا من الدعم، ربما احتاجه في نشأته، حتى استطاع الوصول إلى بنية فكرية تناسبه، دون أن تكون متضمنة الإله أو الكنيسة من الأساس.
كانت العزلة شاقة؛ ولكنها أفضت إلى عثوره على مجتمع جديد لاحتوائه، من الأصدقاء والمهتمين بالفن في الحدود الضيقة التي تسمح بها بلدته الصغيرة والمنغلقة.
لكن تلك الحدود الضيقة لم تمنع تواجد المشككين والمختلفين فكريا والملحدين، حتى في أكثر الأماكن انغلاقا.