لماذا تخلى المصريون عن “نصف دينهم”؟

تكشف بيانات حديثة لوزارة التخطيط عن انخفاض معدل النمو السكاني 46% خلال الفترة من 2017 وحتى 2023، في خطوة فسرتها الحكومة بأنها نتاج تحركات حثيثة لبرامج تنظيم الأسرة والدعم المشروط، لكنها لا تخلو من دلالات على تداعيات الأوضاع الاقتصادية الأخيرة على حياة المواطنين، الذين قرروا التخلي عن “نصف دينهم” للبقاء في دوائر الكفاف.

ووفق هذه البيانات، فإن مصر تشهد أدنى تراجع في معدل النمو السكاني منذ 50 عامًا، ليبلغ عدد المواليد 2.04 مليون في 2023 مقارنة بـ2.19 مليون مولود في 2022.

وتؤكد هذه الأرقام إحصائيات وزارة الصحة والسكان التي تشير إلى انخفاض بمعدل الزيادة السكانية عام 2023 بنسبة 8% عن عام 2022، وتراجع أعداد المواليد خلال آخر 5 سنوات من 3.5 إلى 2.85 لكل سيدة.

وفي عام 2023، بلغ أعداد المواليد يوميًا نحو 5 آلاف و599 مولود بمعدل 233 مولودًا في الساعة، وسجلت محافظات (أسيوط، وسوهاج، وقنا، والمنيا، والأقصر) أعلى معدلات للمواليد، فيما سجلت محافظات (بورسعيد، ودمياط، والدقهلية، والسويس، والغربية) أقل معدلات للمواليد.

اقرأ أيضًا: التضخم يدخل “الدائرة الجهنمية”.. خبراء يحذرون من “السقوط الحر”

المصريون وحساب تكلفة طفل جديد

“اكتفينا بطفل واحد ولا نفكر في أي مولود جديد”؛ تقول مها محسن، التي تزوجت قبل 7 سنوات، عن أعباء المعيشة في مصر حاليًا، وكيف أنها لا تمنح الأسر المصرية أي فرصة لتنشئة أكثر من طفل واحد.

تتراوح أسعار عبوات حفاضّات الرضع حاليًا (عدد 58 قطعة) بين 350 و650 جنيهًا، حسب النوع والمقاس، بينما يبلغ سعر أرخص لبن صناعي للرضع وزن 400 جرام 180 جنيهًا، ويرتفع إلى مبالغ أعلى في الأنواع التي تراعي حساسية الطفل.

“تأسيس طفل حاليًا أمر مكلف جدًا.. لو حسبتها بأدنى الأسعار، فإن علبة اللبن العادي بـ 45 جنيهًا بها 4 أكواب كبيرة، والبيضة بـ 6 جنيهات وهذا يعني 500 جنيه للطفل واحد شهريًا”.

وحسب بحوث الدخل والإنفاق التي يعدها الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، تنفق الأسر المصرية 31.1% من دخلها على الطعام و19.2% على السكن، و10.4% على الصحة، و6.7% على النقل، و5.7% على التعليم، و6.5% على الملابس، و4.4% على سلع متنوعة (كهرباء ومياه وغاز)، ما يعني أن الأسر المصرية تنفق على الأساسيات الضرورية للحياة نحو 84% من إجمالي دخلها.

حساب تكلفة الزواج بمعيار الحد الأدنى للأجور

كانت الأسباب ذاتها وراء انخفاض نسب الزواج إلى مستوى 30 و40% خلال 2023، مقارنة بعام 2022 الذي سجل أعداد عقود زواج تجاوزت 500 ألف عقد زواج، بحسب تصريحات نقابة المأذونين التي عزتها أيضًا للظروف الاقتصادية.

مدحت محمود، الذي يبلغ من العمر 37 عامًا، مثال يؤكد هذه الأرقام، يرفض الزواج رغم امتلاكه وظيفة ثابتة منذ قرابة العقد. يقول: “راتبي الحالي بالكاد يكفيني فكيف أنفق به على أسرة سيكون مطلوبًا مني توفير احتياجاتها الأساسية؟”.

يتقاضى هذا الشاب الذي يعمل في إحدى شركات القطاع الخاص 6 آلاف جنيه شهريًا -وهو الحد الأدنى الذي أقرته الدولة رسميًا في آخر تعديل- ينفق منها نحو 1500 جنيه على المواصلات، بعدما ارتفع سعر “الميني باص” إلى 10 جنيهات لأي رحلة، فضلًا عن 1500 جنيه إيجار شقة متواضعة يسكنها مع عائلته في منطقة عين شمس، ليتبقى له مبلغ 3000 جنيه، ينفق منه على احتياجاته الأساسية من طعام وشراب وملبس.

اقرأ أيضًا: “محمد” وخطيبته يبحثان عن “عُلبة كبريت” تكفيهما

ووفقًا لإحصائيات Numbeo، وهي مؤسسة بحثية متخصصة في دراسة تكاليف المعيشة حول العالم وتعتمد نتائجها العديد من المؤسسات الصحفية المرموقة عالميًا، تبلغ التكاليف الشهرية المتوقعة للشخص في مصر 15 ألفًا و255 جنيهًا دون حساب الإيجار، وهو أقل كثيرًا من معدلات الدخول في مصر التي تأتي تكلفة المعيشة الواقعية بها أقل من الولايات المتحدة بنحو 71.8%.

يقول مدحت: “لا أملك شقة حتى الآن وأقيم مع عائلتي، إيجارات الشقق ارتفعت بسبب حركة اللجوء من الدول المجاورة والإقبال الذي رفع أسعار الإيجار، حتى بات في أقل منطقة شعبية يتراوح بين 4 و5 آلاف جنيه”.

الزواج = 8 سنوات متواصلة من الأجر

تكلفة الزواج بمصر ضمن الأعلى بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهي تساوي أجر العريس التراكمي لمدة ثماني سنوات من العمل المتواصل، كما يشير المسح التتبعي لسوق العمل في مصر لعامي 2006 – 2012.

وارتفعت كُلفة الزواج في المتوسط من 60.5 ألف جنيه عام 2006 إلى 200.6 ألف جنيه عام 2012 ويناهز حاليًا 500 ألف جنيه، بينما تبلغ تكلفة حفل الزفاف ومشتملاته من فستان العرس والتجميل والكوافير وماكياج ومأكولات ما بين 20 و100 ألف جنيه.

وبالتوازي مع تكاليف الزواج، ارتفع مستوى العنوسة (النساء اللائي لم يسبق لهن الزواج فوق 35 عامًا) بمصر من 40% في 2013 إلى 48% عام 2021، وهي الفترة التي شهدت ارتفاعًا قياسيًا بمستوى التضخم، في أعقاب قرار البنك المركزي تحريك سعر صرف للدولار أمام الجنيه.

المصريون يعيشون بالأقساط أو بلا أولاد

تشير الدراسات إلى أن الشباب المصري يلجأ حاليًا إلى الاستدانة أو للشراء بالآجل وبالأقساط أو الهجرة للخارج، ومن يعجز منهم في الاستدانة أو الهجرة، فإنه لا يجد سبيلًا إلا العزوف عن الزواج. وفي ظل تحميل الأسر في بداية حياتها مديونيات كبيرة، فإنها تميل إلى قرار عدم الإنجاب أو تأجيله لحين الانتهاء من الأعباء المتراكمة عليها.

لكن تأويلات المجلس القومي للمرأة، ترى أن السبب في تراجع النمو السكاني يعود إلى ارتفاع نسبة الحاصلات على شهادة جامعية فالمحافظات الأكثر انخفاضا في عدد المواليد تشهد ارتفاعًا في مستوى التعليم مقابل زيادة الأمية بالمحافظات الأكثر نموا بالسكان.

بحسب دراسة المجلس، فإن نسبة نساء العينة اللائي لم يسبق لهن الالتحاق بالتعليم في المحافظات الأكثر نموا بالسكان 33.4 % مقابل 12.5 % بالمحافظات الأكثر انخفاضًا بالنمو السكاني، وتعزو أيضًا السبب لتغير الفكر الثقافي فـنحو 51 % من النساء اللائي سبق لهن الزواج بالمحافظات الأكثر انخفاضًا بالنمو السكاني تعتقدن أن السيدة يجب أن تنتظر ثلاث أعـوام قبل إنـجاب الطفل التال مقابل 48.6% بالمحافظات الأقل انخفاضًـا.

ترى غالبية النساء أن إنـجاب طفلين هو العدد المرغوب والأكثر شيوعًا في المحافظات الأقل بالنمو السكاني بنسبة 44%، بينما في المحافظات الأعلى نموًا يرتفع الرقم إلى أربعة أطفال بنسبة تصل إلى 36.5%.

هل الزيادة السكانية مفيدة أم مضرة؟

يرتبط النمو الاقتصادي لمعدل الخصوبة بعلاقة عكسية ، فكلما أصبح الناس أكثر ثراء أصبحوا أقل ميلا للإنجاب، لكن تلك المعادلة لا تنطبق على الحالة المصرية التي ثبت فيها أن الضغط الاقتصادي والثراء يقللان الإنجاب معًا.

وتشير الدراسات لتراجع معدل الخصوبة على مدار السنوات الماضية، من 7.2 طفل لكل امرأة في أوائل الستينيات إلى 3.4 طفل لكل امرأة في عام 1998، وحافظ هذا المعدل على نفسه حتى بعد مرور عشرين عامًا، حيث بلغ 3.47 طفل لكل امرأة في عام 2018، قبل أن يتراجع حاليًا لحوالي 3.3 مولود لكل امرأة.

ويرى خبراء اقتصاد أن الزيادة السكانية تمثل عبئًا وضغطًا على الموارد الاقتصادية المتاحة، لكنها فى الوقت نفسه تُصنَّف كميزة لصالح جذب الاستثمارات الأجنبية، فى ظل وجود قاعدة استهلاكية ضخمة.

وتشير الدراسات إلى أن نحو 98% من التغيرات الحادثة في قيمة الناتج المحلي ترجع للتغير في عدد السكان، لكنه يمثل ضغطا على الموارد فالفترة من (2000-2018) شهدت نموًا في الجانب الاستهلاكي للسلع الغذائية بنحو 5%، مقابل نحو 3% للجانب الإنتاجي، مما أثر سلبًا على قيمة وحجم السلع الغذائية.

وتؤكد الدراسات أيضًا أن كل زيادة في عدد السكان بحوالي مليون نمسة تؤدي لزيادة قيمة الناتج المحلي الإجمالي بحوالي 22.4 مليار حنيه، أي أنه بزيادة عدد السكان بنحو 10% فإن القيمة الحقيقية للناتج المحلي الإجمالي تزداد بنسبة 38%.

ويقول الدكتور عنتر عبدالعال، أستاذ التنمية الإقليمية بجامعة المنيا، إن النمو السكاني معزز للنمو الاقتصادي وليس معوقاً له، مطالبا بالتفريق بين النمو والتنمية فالأول مرتبط بنمو الناتج الاقتصادي، بينما التنمية هي أن تستغل عوائد النمو الاقتصادي في رفع مستوى المعيشة في المجتمع ككل؛ وهو ما لم يتحقق في كل الدول متوسطة ومنخفضة الدخل إما بسبب الفساد أو سوء الإدارة أو الحروب والنزعات السياسية، وهو ما ليس له علاقة له بزيادة السكان.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة