عن التهميش والانتماء.. بدو سيناء في عيون زوارها

يتذكر حمدان أبو سالم خلال دردشته معي، كل مرة وجه له أحد المصريين، من ليس من أصول بدوية، الإهانة؛ لكونه بدوي. وقتها يستشعر الكراهية لبدو سيناء العرب، الذين يتم وصفهم بالخيانة مرة وبالجاسوسية والتخابر مرة أخرى.

عندما تعامل أبو سالم قبل أشهر مع زائر ليس من سيناء، وصفه بمن باع أرضه لذلك هو بدون جنسية. على الرغم من تمتع أغلبهم بالجنسية المصرية رسميا أبا عن جد؛ لكن قليلين من “ساقط القيد“.

سانت كاترين
سانت كاترين

اندماج البدو آخذ في الذبول

 

يخبرني حمدان أنه يشعر دوما بالامتنان لأرض سيناء وعلى قدوم أجداده إليها. لكن أمله فى الاندماج مع مصريين مثله من باقي المحافظات وقبولهم للبدو بدأ فى الذبول.

تعتبر سيناء مصر بوابة مصر الشرقية التى تقع فى قارة آسيا وهي خط الدفاع الأول لها من تلك الجهة. كما تمثل 6% من مساحة مصر، ولولا وجود البدو لظلت أرض قاحلة، فتضاريسها شديدة الوعورة ومناخ معظم أراضيها جاف.

أما محمد أبو سويلم فقال لي إن قبائل سيناء هم من اختاروا القدوم إليها والمكوث بها ولم يرحلوا عنها أبداً، فظلوا جيلاً بعد جيل يمثلون حماية بشرية لأرضها وحفظًا لطبيعتها الخلابة.

يرى أبو سويلم أن بعض البدو اختاروا مصر أرضًا لهم وعاشوا فيها وكل القبائل لازالوا يقرون بمصريتهم. وأضاف أنه خلال عشرة قرون ظلت الهجرات العربية تتوافد إلى مصر وهناك من استقر في سيناء ومن تقدم إلى “وادي النيل”.

اقرأ أيضا:  البدو كفئة مهمشة

بدو سيناء زمان والآن

وادي فيران
وادي فيران

يرى نعوم شقير فى كتابه “تاريخ سيناء القديم والحديث وجغرافيتها” أن تلك الهجرات بدأت مع دخول جيوش عمرو بن العاص إلى مصر. ويعتبر أن سيناء أرض مصرية أصيلة ذات قيمة جغرافية وتاريخية لمصر.

وعلى الرغم من أهمية واتساع سيناء وشهرتها التاريخية، إلا أنها لا تزال مجهولة عند غالبية المصريين.

فى نفس الكتاب يستطرد شقير في تاريخ سيناء أثناء حكم أسرات مصر القديمة. على الرغم من مصرية سيناء إلا أن سكانها كانوا دائمًا من أصول غير مصرية، مثل سوريا وفلسطين، وكانت أسلحتهم القوس والنبل وتميزت ثقافتهم بالبداوة مقارنة بالقدماء المصريين.

كما يرى أن التاريخ يعيد نفسه، فسكان سيناء -وقتها- كانوا يشبهون البدو الحاليين، وكانوا يرعون الأغنام ويسكنون حول آبار المياه. لكن تمت إبادتهم فيما بعد نتيجة حروب القبائل العربية الوافدة. أما البدو الحاليين يبدو للبعض أنهم يعتزون بالبداوة عن التقاليد المصرية، لكن هم يعتزون بالمزيج نفسه الذي شكل لهم الهوية الحالية.

بعد معاهدة كامب ديفيد، سعى البعض لتشويه صورة البدو ووصفهم بالخيانة، مستندين إلى شائعات عن جلسات عرفية عقدها مشايخ مع الإسرائيليين.

بينما فى تصريحات لـ بى بى سى عربية قال حسن عبيد، من “قبيلة الفواخرية” والذي شغل سابقا منصب مدير عام بمديرية الإسكان والمرافق :”عرضت إسرائيل على مشايخ قبائل سيناء التعاون ولكنهم رفضوا تماما”.

عند البحث عن صحة هذا القول، سألت الكثيرين من البدويين من سكان مدينة دهب، فأيدوه. إذ رأى بعض عواقل القبائل أن إسرائيل سعت كثيرا لاستقطاب البدو للاتحاد معهم؛ لكنهم رفضوا بشدة. 

تخبرني أم صايمة بلهجتها البدوية المميزة :”ما يصير نتعاون مع اليهود. هما مش شبهنا يعني عاداتهم وطبعهم مش زينا ولا يتكلموا لغتنا ولاحتى من نفس ديننا. إحنا جينا على مصر ونضلنا في سينا عشان المصريين عندهم ترحاب وناس طيبين وهما شبهنا ويتكلموا لغتنا وعندنا نفس الدين”.

يؤكد لي كل من التقيتهم من بدو سيناء على حقيقة أن الخيانة والغدر ليسوا من صفاتهم فهم يمقتون الكذب. 

 

من النكسة إلى المعاهدة

حرب اكتوبر

فيما حكى لي سليمان رضا عما حكاه له والده الشيخ رضا عن معاناته كطفل من ويلات الاحتلال الاسرائيلى في سيناء ويصفها بـ “الأيام الغبرة”.

وقال “كان الإسرائيليون يطلقون الرصاص على كل من يجدونه أمامهم ولم يكن لنا سوى الاختباء في حُفر مغطاة بسعف النخل. لكن لم يكن ذلك مأوى آمن، إذ اكتشفوا هذه الخدعة لاحقًا وصاروا يطلقون الرصاص الطائش على كل كومة سعف يجدونها. فى إحدى المرات اختبأت أنا ووالدي في حفرة منهم؛ لكن لاحظنا قدوم عساكرهم. أطلقوا رصاصتين لكن لم تصبنا أي منهما”.

على ما يبدو أن المسنين من بدو سيناء عاصروا أيامًا بالغة الصعوبة أثناء الاحتلال الإسرائيلي لسيناء. ومن خلال معاشرتي لهم وجدتهم دائمي الحديث عن الاحتلال والدعاء لأهل فلسطين. فهم لم ينسوا ما عاشوه.

يقول الشيخ همام مجاهد أحد أفراد قبيلة “المزينة” إنه لا يذكر يومًا واحدًا مر بشكل طبيعي أثناء الاحتلال، لأنه كان دائم التضييق عليهم في كسبهم الرزق.

على النقيض، فكرت إسرائيل في استقطاب بدو سيناء، لتسهيل استمرار الاحتلال فيها.

وهنا حكى الشيخ عبدالله أبو جهامة في أكتوبر 2023 ما حدث في مؤتمر “الحسنة” عام 1968 لليوم السابع  فيقول “عرضت إسرائيل على مشايخ قبائل سيناء التعاون ولكنهم رفضوا تماما”. كما أوضح أن المؤتمر الذي نظمته السلطات الإسرائيلية في مدينة “الحسنة” بوسط سيناء بحضور وسائل الإعلام العالمية في 31 أكتوبر من عام 1968، حضره المشايخ للرد عليهم.

يقول أبو جهامة إن مشايخ سيناء قالوا كلمتهم وهي “سيناء أرض مصرية وستبقى مصرية ولا نرضى بديلا عن مصر، وما أنتم إلا احتلال”. 

بينما في حرب أكتوبر ساعد الكثير من أهالي سيناء الجيش المصري، فقدموا المؤن والماء للجنود وساعدوا الجرحى. كذلك قدموا نحو 850 شهيدًا.

أما قبيلة “السواركة” فصوّرت الموانع المائية الإسرائيلية في الشمال وضربوا قيادة القوات الإسرائيلية في العريش بصواريخ “كاتيوشا”، وقبض عليهم وعُذبوا. ثم جرى استبدالهم في صفقة تبادل أسرى بين مصر وإسرائيل بعد الحكم عليهم 149 سنة سجنًا قضوا منها 4 سنوات.

ماذا فعلت المركزية فى سيناء؟

 

تخبرني سعدة سويلم أنه بعدما استعادت مصر سيادتها على سيناء، لم يتم تنفيذ مشروعات حقيقية لخدمة أهاليها فالرعاية الطبية والتعليم وغيره من الخدمات غير متواجدة بشكل كافي. لذلك، قد يضطر أهالي سيناء للسفر إلى الطور أو القاهرة لإجراء كشف طبي لدى طبيب ذو كفاءة. كما يضطر الطلاب إلى الاغتراب في مدن بعيدة للحصول على التعليم الجامعى.

ولفت حسين أبو سعيد وهو أحد سكان مدينة نويبع إلى أن المركزية، هي نفسها ما يدفع الإعلام -أحيانًا- إلى تشويه بدو سيناء أو تصويرهم كفاسدين. حتى مع قدوم زوار من باقي محافظات مصر إلى سيناء، فغالبًا ما يأتون مشحونين بالغضب والعنصرية، نتيجة أفكار مغلوطة عن أهالي سيناء.

سيناء
سيناء

التعامل مع السائح الإسرائيلي

 

على الأرجح بعض المصريين ينظرون إلى البدو أنهم خونة يتعاونون مع إسرائيل، بسبب سياحتهم في سيناء. على الرغم من أنه ليس هناك ما يمنعهم من دخول سيناء للسياحة ولذلك فهناك الكثير من الفنادق والمطاعم التي تستضيفهم.

بينما على الجانب الآخر هناك من لا يقبل التعامل معهم. في أحد المرات قال لي محمد سليمان مالك مبضع فنادق في دهب “لا أحبذ التعامل مع السائح الإسرائيلي؛ ولكن نتحملهم مضطرين في سيناء لبضعة أيام كل عام وأحيانًا أعتذر منهم بحجة عدم وجود غرف شاغرة. بعد الأحداث الجارية أصبح من المعدوم وجودهم وهو أمر جيد فمن يستطيع التعامل معهم بعد رؤية ما يرتكبونه من مجازر!”. 

بينما يرى عيد حسان، مدير أحد الفنادق في دهب أن السائح الاسرائيلى هو أسوأ سائح قد يتعامل معه فهو كثير التذمر وعدم الرضا كما أنه لا ينسى أنهم محتلون، لذلك فهو لا يرحب بهم. 

كما ترى أم عبده، ربة منزل من قبيلة “أولاد سعيد” أن هناك بدو أغنياء وبدو فقراء. أما الأغنياء لم يكونوا مضطرين للبحث عن مصادر دخل إضافية. وبسبب مركزية الدولة أصبح هناك الكثير من البدو فقراء، نتيجة البطالة، مع عدم الاهتمام بالمنشآت التعليمية.

كما أن الوظائف الحكومية -وفقا لأم عبده- في معظم مدن سيناء تذهب للوافدين من شتى محافظات مصر، على الرغم من وجود كوادر من البدو يمكنهم العمل في نفس الوظائف وحصلوا على تعليم جامعي جيد هم أيضًا.

*بعض الأسماء الواردة هنا مستعارة لحماية المصادر الذين تحدثوا لـ “فكّر تاني“- ما عدا محمد سليمان

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة