تقف السودان على أبواب المجاعة وسط تحذيرات أممية من قرب حدوث أكبر أزمة جوع في العالم ببلاد تعتبر سلة غذاء العالم، مع دخول الحرب عامها الثاني دون مؤشرات حل للأزمة، أو التقليل من حدة تلك الحرب التي شهدت في الساعات الأخيرة مجزرة في قرية ود النورة، ومع توقف هطول الأمطار وبدء موسم الجفاف واستمرار الصراع بين الجنرالين عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني ومحمد حمدان دقلو "حميدتي" قائد قوات الدعم السريع، وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية والنزوح المستمر للسكان.
وفي تصريحات لها، أكدت المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي،"سيندي ماكين" "إنَّ النساء والأطفال في جميع أنحاء السودان يَضمَرون ويهزلون من جراء سوء التغذية، وقد جرّدتهم الحرب الجارية من جميع ما يحتاجونه للبقاء: الأغذية، والدعم الطبي، والمأوى.
وأضافت ماكين أن السودانيين بحاجة إلى إمكانية وصول آمنة وفورية لتقديم المساعدة الإنسانية التي يحتاجونها أمسّ الحاجة موضحة أنه من دون هذه المساعدة، ثمة خطر أن تصبح هذه الأزمة أكبر حالة طوارئ من الجوع في العالم حيث أن ملايين الأرواح في خطر جسيم، ويوجد احتمالات بخسارة جيل كامل من الأطفال.
وتفيد منظمات الأمم المتحدة أن نحو خمسة ملايين شخص مهددون "بانعدام غذائي كارثي" في الأشهر المقبلة في السودان، وهو أعلى مستوى في التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي.

السودانيون يموتون جوعًا : تراب وأوراق شجر بعدما غاب الطعام
وبينما تعلن لجان مقاومة ود مدني السودانية "مقتل ما لا يقل عن 100 مواطن، أمس الأربعاء، إثر هجوم للدعم السريع على قرية ود النورة في ولاية الجزيرة"، تفيد شهادات بعض النازحين عن أن التراب أصبح طعام المضطرين من سكان بعض مناطق السودان بعد أن عزّ الغذاء، كما هو الحال في مخيم اللعيت في شمال دارفور، حيث "يقتات سودانيون على التراب وأوراق الشجر بعدما عزّ الطعام"، وفق تقارير إعلامية متواترة.
يحكي "قرنق أشين أكوك" – نازح أربعيني العمر بهذا المخيم - لـ"مونت كارلو الدولية" أنه وزوجته وأطفالهما الخمسة تركوا منزلهم في منطقة كردفان بالجنوب في ديسمبر 2023 بعد أن اقتحمت ميليشيات عربية على ظهور الجمال قريتهم وأحرقت كوخهم، ما جعله بلا عمل ولا يستطيع إعالة أسرته، موضحًا أنهم يمضون يومين أو ثلاثة أيام بدون طعام.
في هذه الحالة ينظر " أكوك " بلا حول ولا قوة إلى زوجته وأطفاله وهم يحفرون حفرا في الأرض ويدخلون أيديهم فيها ويلتقطون بعض التراب ويصنعون منه كراتٍ ويضعونها في أفواههم ويبتلعونها بالماء، مضيفا بأسى "أظل أقول لهم ألا يفعلوا ذلك...لكنه الجوع...ليس بوسعي أن أفعل أي شيء".
وفي السياق نفسه، يقول محمد عبد المطلب لـ"بي بي سي" بالعربية، أحد السكان قال لنا: "نهبوا محتويات المنازل، وسرقوا السيارات وأجهزة التلفاز، وضربوا كبار السن، وحتى النساء، الناس ماتوا جوعًا، أخرجت بعض الجثث من المنازل حتى لا تتعفن".
ويحمّل السودانيون الطرفين مسؤولية الدمار الذي حدث في العاصمة وما حولها، فيما يتهم الكثيرون قوات الدعم السريع بارتكاب عمليات نهب وشن هجمات عليهم خلال فترة سيطرتها على المنطقة.

أطفال السودان عالقون في أزمة تغذية حرجة
"الاقتتال الراهن يفاقم العوامل المحرّكة لسوء التغذية بين الأطفال، ومنها: نقص إمكانية الحصول على الأغذية المغذية ومياه الشرب المأمونة وخدمات الصرف الصحي، وازدياد خطر الإصابة بالأمراض"، هكذا انتهت تقارير ثلاث منظمات أممية مؤخرا هي: منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الصحة العالمية.
وبحسب المنظمات الثلاث، فقد بلغ سوء تغذية الأطفال في السودان مستويات الطوارئ، بعد تفاقم الوضع في الأشهر الأخيرة.
ففي وسط دارفور، يُقدَّر أنَّ 15.6 بالمئة من الأطفال دون سن الخامسة يعانون من سوء تغذية شديد، بينما تصل النسبة إلى 30 بالمئة في مخيم زمزم.
ووفق التقارير، فإن سوء التغذية الشديد يهدد الأرواح، إذ تزيد أرجحية وفاة الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية بـ 11 ضعفًا عنها بين الأطفال الذي يتلقون تغذية جيدة.
وأكدت منظمة "أطباء بلا حدود" في مخيم زمزم بشمال دارفور أنَّ أكثر من 33 بالمئة من النساء الحوامل والمرضعات يعانين من سوء التغذية، في الشهر الماضي مما يدلّ على أنه من المرجح أن يضحين باحتياجاتهن من أجل إطعام أطفالهن.
وتشدد المنظمة على أن هذا الوضع يشكل خطرًا هائلاً على صحة الأمهات وعلى صحة الجيل المقبل من أطفال السودان، إذ أن ما يصل إلى 30 بالمئة من سوء التغذية بين الأطفال يبدأ في أثناء تشكّلهم في الرحم، وسط أخبار عن وفاة 13 طفلاً يوميًا في معسكر زمزم في الفاشر، بمعدل وفاة طفل كل ساعتين بسبب سوء التغذية، وفقاً لمنظمة أطباء بلا حدود.
وأعلنت غرفة طوارئ شرق النيل، أنها سجلت حالة وفاة ناتجة عن الجوع، فيما أصيب أطفال بالعمى الليلي جراء سوء التغذية في المنطقة الواقعة شرق العاصمة الخرطوم.
وفي 23 أبريل الماضي، أعلن متطوعون عن وفاة ثلاث أطفال جوعًا في أمبدة بأم درمان ثالث مدن العاصمة الخرطوم التي يعتمد العالقين فيها على مطابخ تكافلية ترعاها غرف الطوارئ الشبابية.
وقال عضو في لجنة طوارئ شرق النيل، لـ "سودان تربيون” إن "معلومات وردتهم حول تسجيل حالة وفاة بسبب الجوع في واحدة من الغرف القاعدية".
وكشف عن تسجيل إصابات بالعمى الليلي لعدد من الأطفال بمنطقة أبو قرون، نتيجة لسوء التغذية، حسب الكشف الطبي.
وفي تصريحات لها، أكدت المديرة التنفيذية لليونيسف، السيدة كاثرين راسل، أن أطفال السودان يعانون من مستويات رهيبة من العنف والتهجير والصدمات — وهم يواجهون حاليًا مجاعة محتملة.
وفي السياق نفسه، حذر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، الدكتور "تيدروس أدهانوم غيبريسوس" من أنَّ الوقت ينفد، حيث قد بات أطفال السودان ونساؤه يشارفون على المجاعة.

أرقام واحصاءات
وبحسب أرقام وإحصاءات ممثلة اليونيسف في السودان "مانديب أوبراين" ، و مديرة قسم العلاقات الخارجية لدى مفوضية شؤون اللاجئين "دومينيك هايد"، فإن الوضع خطير للغاية، وفق الآتي:
* 14 مليونا طفلا من إجمالي 24 مليون في عمر الزهور، في حاجة ماسة إلى المساعدة المنقذة للحياة في مجالات الصحة والتغذية والتعليم في مجال المياه ودعم الحماية.
*أكثر من 3.5 مليون طفلا أُجبروا على الفرار من منازلهم منذ بداية هذه الحرب، وهذا يجعل بالسودان أكبر أزمة نزوح للأطفال في العالم.
*أكثر من 7.4 مليون طفل في السودان لا يستطيعون الحصول على مياه الشرب الآمنة الضرورية للغاية للبقاء على قيد الحياة والازدهار
*هناك ما يقرب من مليوني طفل في حاجة ماسة إلى لقاحات منقذة للحياة لحمايتهم من الأمراض التي تهدد حياتهم.
*يعاني أكثر من 3 ملايين طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد، مما يجعل السودان أحد أعلى معدلات سوء التغذية في العالم ، ومن بين هؤلاء، هناك 700 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الشديد، مما يعني أنهم إذا لم يحصلوا على العلاج الطبي المنقذ للحياة، فسوف يموتون.
*هناك 19 مليون طفل في سن الدراسة لا يذهبون إلى الفصول الدراسية، وهذا يدفع السودان إلى حافة أن يصبح واحدا من أسوأ أزمات التعلم في العالم.
*وصل عدد النازحين داخلياً إلى 4.5 مليون شخص، بينما اضطر 1.2 مليون شخص للفرار إلى الدول المجاورة – مثل تشاد ومصر وجنوب السودان وإثيوبيا وجمهورية إفريقيا الوسطى. وتمثل النساء والأطفال الغالبية العظمى من هؤلاء اللاجئين (تصل نسبتهم إلى 90 بالمائة في بعض الحالات – كما هو الوضع في جمهورية إفريقيا الوسطى).
*أكثر من 433,000 شخص من النازحين داخليًا في ولاية النيل الأبيض في السودان علاوةً على ذلك، تستضيف هذه الولاية نحو 300,000 لاجئٍ – أغلبهم من جنوب السودان – في 10 مخيمات.
* لقي أكثر من 1,200 طفلٍ دون الخامسة من العمر حتفهم في ولاية النيل الأبيض بفعل تفشي مرض الحصبة المترافق بمستوى حاد من سوء التغذية، وما زال هذا مصير أربع أطفال على الأقل كل أسبوع في هذه الولاية مع عدم توفر الأدوية والطواقم والإمدادات الأساسية.
*في تشاد، يبلغ معدل عدد الواصلين حديثًا إلى 700 شخص في اليوم الواحد، ويستضيف مركز الإيواء المؤقت – الذي أنشئ لاستقبال 3,000 شخص – نحو 20,000 شخص أغلبهم لاجئون من السودان بجانب تدهور قطاع المياه والصرف الصحي، ما ينذر بتفشي وباء الكوليرا.