بعد دقيقتين من كلمته المسجلة، هرعت إسرائيل، إلى نفي رواية المتحدث باسم كتائب القسّام؛ أبو عبيدة، بشأن نجاح المقاومة في استدراج قوة صهيونية إلى نفق بمخيم جباليا، ثم قتل وجرح وأسر جميع عناصرها، في عملية نوعية، زلزلت الأرض تحت الاحتلال، وباغتت الرأي العام الدولي، والأوساط السياسية الإقليمية والعالمية.
لكن ما هي إلا ساعات، حتى نفت إسرائيل نفيها، عبر ممارسات إجرامية، بلغت حدًّا غير مسبوق من الوحشية، منذ بدء العدوان على غزة، قبل ثمانية أشهر.
صحيحٌ أن القيادي القسّامي، لا يحتاج اعتمادًا ممهورًا بخاتم نجمة داوود لأقواله، فالملثم مجهول الملامح، يحظى بمصداقية عالية، لدى الرأي العام العربي والدولي معًا، بل إن الإسرائيليين أنفسهم يترقَّبون رسائله، لاستقاء الحقائق، بعد أن تيقنوا من أن رئيس حكومتهم كذَّاب أَشِر، وفق التعبير القرآني، الذي يعني التبجَّحَ والتكبَّرَ بالكذب.
وسواءً نفت إسرائيل أو لم تنفِ.. لقد وقعت الواقعة، خافضةً رافعة، وليست المقاومة كاذبة.
قرائن صدق رواية القيادي العسكري بحركة حماس، تُظهِرُها الشواهد المتشابكة، والتي تؤكد إصابة جيش الاحتلال، بما يشبه داء السعار.
بعد العملية، سال لعاب إسرائيل من بين أنيابها، فأخذت تعقر يمينًا ويسارًا، ومضت مُلتاثةً تحدو بها شهوة سفك الدماء “الدراكولية” إلى القتل، من دون أدنى غاية سياسية.. وهذا لا ينم على القوة، بقدر كونه دليل ضعف.
تحت عنوان “محرقة الخيام”، حسبَ المصطلح الذي أطلقه الضمير الإنساني، قَصَفَ جيش الاحتلال، خيام النازحين إلى “المنطقة الآمنة” في رفح، فارتقى 55 شهيدًا، وفق التقديرات الأولية، الأمر الذي لا يندرج بأي حال، في إطار أعمال الحرب، وإنما تحت بند جرائم التطهير العرقي، التي أدانتها المحكمة الجنائية الدولية، ولو متأخرًا.
التزامن يكشف بالطبع، عن أن “المحرقة”، تأتي انتقامًا منفلتًا أهوج، لتمريغ أنف “الجيش الذي كان لا يقهر” في الأنفاق، من قِبل ثُلَّة مقاتلين تحت الحصار، وليس بين أياديهم من الأسلحة إلا أكثرها بدائية، بسطاء لدرجة أنهم ينتعلون “الشباشب البلاستيكية”.
إزاء شظايا التراجيديا، وقريبًا من صهد المحرقة، بما فيها من جثامين أطفال، مقطوعة الرؤوس ومنصهرة اللحم، وفيما تشتعل الأعصاب والضمائر على وقع صرخات الثكالى، قد يبدو ملائمًا تَمعُّنُ مقولة الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري، بأنه “كلما مضى الاحتلال أكثر في اقتراف الجرائم، كلما اقتربت نهايته”.
المؤكد أن حماقات إسرائيل، وما توحي به من تخبط سياسي وعسكري، وما تحمله في طياتها من عبثية وعدمية، وجرائمها التي لا تحرز إلا خسائر بعد خسائر، تفسِّر المقولة بدرجة أعمق.
أسطورة العقد الثامن الإسرائيلية
على مدى الأشهر الثمانية الماضية، استدعيت بإلحاحٍ عبارة “نهاية إسرائيل”، سياسيًا وبحثيًا ونخبويًا، حتى غدا الداخل الإسرائيلي يهمهم بمخاوفه، من لحظة انفجار فقاعة الصابون؛ “إسرائيل الدولة”.
ولمَّا كانت الواردة تجلو الشاردة، كما يقول المتصوفة، فالواقع يجلو تعبير “لعنة العقد الثامن”، إذ تشيع مقولة إسرائيلية، بأن ما من دولة يهودية، عمَّرت أكثر من 80 عامًا، وهي مقولة رائجة في عمق دولة الاحتلال، كالحشيش في “الغُرَّز”.
في قمة الهرم السياسي، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، كتب مقالًا قبل نحو عام، في “يديعوت أحرنوت” يحذر من وقوع “لعنة الثمانين” على “الشعب المختار” مجددًا.
وإلى جانبه، يصطف سياسيون ومفكرون وحاخامات، يذهبون إلى أن التاريخ أثبت أن “مملكة داود وسليمان”؛ الدولة الأولى لليهود، لم تصمد أكثر من 80 عامًا، فيما تلاشت المملكة الثانية؛ “الحشمونائيم”، لمَّا بلغت عقدها الثامن، في حين أن الدولة الثالثة؛ إسرائيل الحالية، تزحف كالكسيح نحو الثمانين، على رمال متحركة، وهي تواجه تهديدًا وجوديًا لم تعهد له مثيلًا.
بغض النظر عن أن مثل هذه النبوءات، محض هرطقة خرقاء، لا تصمد أمام أي تفكير علمي استدلالي، ولا تؤيديها إلا مصادفات ليست حاسمةً جازمة، ومن ثم لا تجوز مناقشتها إلا في أُطر التفكُّه والسخرية، على غرار قراءة أبواب الأبراج في الصحف، غير أن تواترها الواسع، يؤكد أن شعورًا جمعيًا، يتنامى في إسرائيل بأن النهاية اقتربت.
شعور ينبعث على ما يبدو، عن اعتلال سيكولوجي، كأنه “فوبيا” تحتل الاحتلال قمةً وقاعدةً، كما تحتل اللص هواجسه المرعبة، وتطارده حتى في كوابيس النوم، بأنه سيسقط في قبضة العدالة، مهما أمعن هربًا، ومهما برع في التخفي.
بمنأى عن أساطير الأولين الإسرائيلية، وكذلك التحليلات العربية الحالمة، أو الأسيرة في ستينيات القرن الماضي، تتضافر الوقائع لتجزم بأن إسرائيل، قد بلغت من الوهن عتيًا، بما يعطي فكرة “الانهيار” قدرًا كبيرًا من المعقولية.
دبلوماسيًا.. وليس بعيدًا عن المحرقة، فإن إدانة المحكمة الجنائية الدولية، رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه يوآف غالانت، بارتكاب جرائم إبادة، تعد خطوة كبيرة لإنهاء عهد الحصانة الدولية للاحتلال، وغني عن البيان أن القرار، لم ينبعث عن استيقاظ الضمير العالمي فجأةً، وإنما إلى ظروف موضوعية “قهرية”.
المعلوم بالضرورة أن الغرب ليس أخلاقيًا، وكذلك كان “الدهاشنة” في رواية “شيء من الخوف”، للراحل ثروت أباظة، إذ تخلَّى عُصبة عتريس عنه، حين استوثقوا من أن طغيانه يهددهم جميعًا.
في التاريخ كما في الأدب، كثيرًا ما باع الحرَّاس “أسيادهم القامعين”، إثر تفاقم خطرهم على مستقبلهم هم، ومن ذلك حالة “كاليجولا”؛ الإمبراطور الروماني الذي يُعدُّ واحدًا من أربعة طغاة، تصدَّروا قائمة السفاحين المهووسين، منذ هبط آدم وزوجه الأرض.
“على بلاطة”.. لقد غدا نتنياهو تهديدًا وجوديًا لحلفائه، لم يعد من مصلحتهم، بقاؤه ثانيةً إضافية، على خشبة المسرح الإقليمي والدولي.. إنه مخبول “نيروني النزعة”، مستعد لحرق كل شيءٍ، ليحتفظ بكرسي السلطة.
بمعايير السياسة البرجماتية، ليس ممكنًا الإبقاء عليه، وما من فائدة ترتجي وراء دعمه.
هذا بشأن نتنياهو.. وماذا عن “الدولة”؟
نتنياهو ليس وحده، وليس “حالة فردية” بتعبير مصري، بل إنه رئيس الحكومة الأكثر يمينية، وفيها وزراء يفوقونه وحشية، ويبزونه تطرفًا، وجميعهم ينتمون إلى مجتمع الاستيطان، الذي يزداد جنوحًا نحو الكراهية والقسوة.
انهيار أسطورة المظلومية في الدعاية الصهيونية
الإسرائيليون مصرون على المضي قدمًا في تحويل أصدقائهم إلى أعداء، يخسرون بمنتهى الدأب الرأي العام الغربي، الذي طالما كان داعمًا لهم، كما يهدمون بأياديهم أو قُل بجرافاتهم وقنابلهم المحرمة دوليًا، أسطورة المظلومية؛ تلك التي تأسست على أركانها الدولة العبرية.
المنصفون من اليهود، وعلى رأسهم المؤرخ اليساري إيلان بابيه، سبق أن أكد ذلك في كتابه المرجعي المهم: “التطهير العرقي في فلسطين”، والكاتب الأمريكي اليهودي، ذائع الصيت، توماس فريدمان، حذر إسرائيل من أن تتحوَّل إلى كيان منبوذ.
اعتراف ثلاث دول أوروبية، هي النرويج وأيرلندا وإسبانيا بدولة فلسطين، بالتزامن مع احتدام العدوان، إنما هو مؤشر بازغ إلى أن النخب السياسية الغربية، لم تعد قادرة على كبح تيار غضب شعبي يزداد قوة، كلما تراكمت جرائم إسرائيل.
مع محرقة رفح ضد النازحين، الذين بعثرتهم الحرب من الشمال إلى الجنوب، ثم من الجنوب إلى الشمال، يتأكد للعالم أكثر، أن إسرائيل لا تحارب الفلسطينيين فحسب، بل تعادي الإنسانية بأسرها، أو بالأحرى تعادي المبادئ الأخلاقية للإنسانية.
الغرب الذي آزرَ إسرائيل، في بداية العدوان، وتحدَّث “العبرية” سرًا وجهرًا، ورسميًا وإعلاميًا، لم يعد بوسعه الاستمرار، وعواصم التطبيع العربية، عاجزة عن أن ترفع عينيها في وجه شعوبها الغاضبة، وإن كانت مكبَّلةً مقموعة، وممنوعة حتى من الصراخ.
الرمال تتحرك تحت إسرائيل، لا القبة الحديدية، ولا الميركافا، ولا الموساد، ولا الدعم الأميركي يقيها خسائرها العسكرية والسياسية.
مَن كان يتصوّر أن مدريد تحديدًا ستعترف بفلسطين؟
إن إسبانيا تتحفظ إزاء الاعتراف بالدول، لدرجة أنها آخر دولة بالقارة العجوز، اعترفت بكوسوفو، وذلك لحساسية موقفها تجاه حركات إقليم الباساك الانفصالية، لكنها رمت حذرها خلف ظهرها، إذ ليس ممكنًا الوقوف كتمثال شمعٍ، أمام ما هو أشد فظاظة من هولوكوست النازية.
إسرائيل تخسر على مستويين مجانيًا، فأداؤها لا يبدو متهافتًا، على أرض المعركة في غزة، أو في بطن أنفاقها الملتوية فحسب، إذ يمتد التهافت العسكري فيتلاقح مع السياسي، في علاقة حميمة بين “التهافتين”، فكل جريمة حرب تعري سوءةً من سوءاتها دوليًا.
تتجلى كارثية الخسارة، بالنظر إلى ما هو معلوم يقينًا، من أن إسرائيل كيان “طفيلي”، يعيش على المساعدات الخارجية.
شهوة الانتقام البربرية، تتحكَّم في “إسرائيل الدولة”، فيما تُحرّك نتنياهو شهوة الحفاظ على كرسي السلطة، في الوقت الذي يبدو فيه أن شروخًا غائرة، “تسرح” في جدران انتهى عمرها الافتراضي.
لم يسبق لإسرائيلَ أن غرقت، لثمانية أشهرٍ في حرب، تستنزف جنودها وهيبتها، وتُفقِدها الدعم الدولي، ولا تملك القدرة على حسمها، ولا تعرف سبيلًا لتحقيق أهدافها منها.
الشروخ في جدران إسرائيل عميقة، بحيث لا يُخفيها دخان القنابل المحرَّمة، إذ يستعمر ذرات الهواء، والمحرقة الأخيرة في رفح، لا تزيد الشروخ إلا عمقًا.
نجح نتنياهو نجاحًا مبهرًا، في إقناع الإنسانية، بأن إسرائيل تشكيل إجرامي، لا ينتمي إلى مفهوم الدولة، وفي محاصرة وإحراج داعميه الغربيين، ومطبعيه العرب، وفي الضغط على البيت الأبيض، الذي يكاد ينفد صبره، ولا تبدو علاقته بتل أبيب، سمنًا على عسل.. والظاهر أن لا حدود لنجاحه.



التعليقات