عن غزة وسيناريو اللجوء الممكن لمصر

قبل الحرب، كانت منطقة رفح في غزة، المتاخمة للحدود المصرية، موطنًا لحوالي 275,000 شخص. والآن، هناك ما يقدر بنحو 1.5 مليون شخص زُج بهم هناك، وكثير منهم يعيشون في الخيام التي تظهر صور الأقمار الصناعية تكدسها البالغ.

في فبراير، حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش من أن العملية العسكرية الإسرائيلية في رفح، كما قال المسؤولون الإسرائيليون مرارًا وتكرارًا إنهم يخططون للقيام بها، "ستزيد بشكل كبير مما هو بالفعل كابوس إنساني له عواقب إقليمية لا توصف".

ووفقًا للأمم المتحدة، فإن المجاعة وشيكة. ويقدر البنك الدولي والأمم المتحدة أن أكثر من 60 في المئة من جميع المنازل في المنطقة قد تضررت أو دمرت وكذلك البنية التحتية الطبية والمدنية الحيوية. وإجمالًا، نزح نحو 1.7 مليون فلسطيني داخليًا.

"فلماذا في حرب بهذه الشدة لا يوجد لاجئون يخرجون من غزة؟"؛ تتساءل الدكتورة أليس جيل إدواردز إدواردز مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بالتعذيب، بينما تجيب في تقرير لها بمجلة "فورين بوليسي"، بأن معظم الفلسطينيين محاصرون داخل غزة خلف حدود محصنة، منيعة للجميع، باستثناء أولئك الذين يحملون جوازات سفر دولية أو صلات استثنائية.


أليس جيل إدواردز إدواردز هي مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بالتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية المعاملة المهينة أو العقوبة. تم تعيينها من قبل الأمم المتحدة بمجلس حقوق الإنسان، وبدأت فترة ولايتها في 1 أغسطس 2022. تتمتع بخبرة واسعة وسجل مشاركة حقوقية مستمر نيابة عن ضحايا حقوق الإنسان ضد الانتهاكات.


وفقًا للحكومة المصرية، تم إجلاء ما يقرب من 4000 شخص إلى البلاد لتلقي العلاج الطبي مع أسرهم. كما تمكن 67,000 أجنبي ومزدوج الجنسية من المغادرة، لكن هؤلاء ليسوا لاجئين، ومعظم الأجانب ومزدوجي الجنسية انتقلوا منذ ذلك الحين من مصر.

تقارن "إدواردز" بأنه في نهاية العام الماضي، تم توفير الحماية لـ 6.5 مليون لاجئ من سوريا وحوالي 6 ملايين أوكراني خارج بلدانهم. وتقول إنه في أي صراع بهذا الحجم وبهذا الحجم من الألم والمعاناة، يتوقع المرء تدفقًا جماعيًا للاجئين إلى البلدان المجاورة. وهو ما لم يحدث في حالة غزة.

ووفق "إدواردز" فمن اللافت للنظر أنه بعد مرور أكثر من ستة أشهر على هذا الصراع، لم تتح الفرصة إلا لعدد قليل جدًا من الناس للمغادرة، على الرغم من وجود بيانات يومية من المنظمات الدولية بأنه لا يوجد مكان آمن في غزة. وعلى الرغم من أن الأونروا، وكالة الأمم المتحدة للاجئين الفلسطينيين، تقول إنها لا تستطيع توفير الحماية أو المساعدة. وحتى في الوقت الذي يقول فيه المجتمع الدولي إن الإغاثة الإنسانية لا تصل إلى من هم في أمس الحاجة إليها.

وتقول: أينما يفر الناس من أو إلى، يحظر على الدول إرسال أي شخص لمواجهة مخاطر الحرب أو التعذيب أو الاضطهاد. ويشمل هذا الالتزام العالمي السماح للناس بالفرار، وتوفير الملاذ طالما استمر التهديد، والعودة بأمان عندما تسمح الظروف بذلك.

أطفال فلسطينيون في رفح
أطفال فلسطينيون في رفح

غزة والالتزام الدولي بقبول اللاجئين

وبينما تعترف "إدواردز" بأن الدول العربية المجاورة تاريخيًا تحملت العبء الأكبر من تدفقات الفلسطينيين الفارين، وغالبًا ما تسببت هذه التدفقات في عدم استقرار سياسي كبير في هذه الدول. وأن لإسرائيل سجل سيئ في السماح للفلسطينيين الذين فروا بالدخول مرة أخرى، تقول إنه في ظل الوضع الراهن، ليس من المستغرب أن يكون القادة العرب الآن حساسين للغاية تجاه أي تهمة بالمساعدة في تسهيل الطرد الجماعي للفلسطينيين من غزة. وتقول: سيكون هذا "خطًا أحمر".

اقرأ أيضًا: رفح.. متى يبدأ الاجتياح؟

ويطارد احتمال فرار الفلسطينيين بشكل جماعي في تكرار للنكبة - تشريد حوالي نصف السكان العرب في فلسطين في عام 1948 - القادة في القاهرة وفي جميع أنحاء المنطقة وخارجها.

ومع ذلك، تقول "إدواردز" إنه على الرغم من أن إسرائيل لن تفتح حدودها أمام اللاجئين الفلسطينيين، كما يبدو، فإنها ومصر لديهما التزامات قانونية للقيام بذلك. وقرار مصر بإغلاق حدودها مع غزة غير مقبول لمعارضته القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي للاجئين، كما تدعي "إدواردز".

أطفال فلسطينيون في رفح
أطفال فلسطينيون في رفح

مخاوف مصر من تهجير سكان غزة

تشير مصر إلى المخاوف الأمنية كسبب لعدم السماح بدخول اللاجئين الفلسطينيين، لا سيما بالنظر إلى تحديات التشدد في شبه جزيرة سيناء التي يحتمل أن تتفاقم بسبب وصول مقاتلين متمرسين في القتال من غزة إلى جانب المدنيين.

وتقول "إدواردز" إنه في حين أن هذا التهديد لا يزال مرتفعًا وحقيقيًا، فإن الإطار القانوني الدولي يتضمن ضمانات للحماية من ذلك، منها وضع عمليات فحص قوية لضمان عدم عبور المسلحين الحدود إلى جانب المدنيين.

في وقت مبكر من الصراع، قال وزير الخارجية المصري سامح شكري لشبكة "سي إن بي سي" إنه لا يرى "أي سبب يجعل مصر، التي تستضيف 9 ملايين لاجئ - تستضيفهم وتوفر لهم الاندماج في مجتمعنا مما يشكل عبئًا كبيرًا على اقتصادنا - أن تتحمل فقط التدفق الإضافي لسكان غزة".

لكن "إدواردز" تشكك في هذا الرقم، مستندةً إلى بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، والتي تشير إلى أن مصر تستضيف حاليًا 575 ألف لاجئ وطالب لجوء مسجل من 61 دولة، في حين لم يتم تسجيل ما يقرب من 250 ألف لاجئ آخر بعد. وأكثر من نصف المسجلين هم من السودانيين، ويشكل السوريون ثاني أكبر مجموعة.

ومع ذلك، فإن العدد التقديري للفلسطينيين في مصر غير واضح لأنهم غير مدرجين في أي أرقام رسمية.

مساعدات تلقى جوًا على الفلسطينيين في غزة
مساعدات تلقى جوًا على الفلسطينيين في غزة

أين دور المجتمع الدولي تجاه الفلسطينيين؟

لكن "إدواردز" تعترف هنا أيضًا بأن الوزير المصري محق في قوله إنه لا ينبغي على مصر أن تتحمل المسؤولية عن اللاجئين الفلسطينيين وحدها. ويجب على الدول والمنظمات الدولية الأخرى أن تدعمها.

وتخدم الأونروا اللاجئين الفلسطينيين في الأردن ولبنان وسوريا وغزة والضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية. وبموجب اتفاقية اللاجئين لعام 1951، تنتقل المسؤولية إلى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين خارج هذه المناطق.

وبعبارة أخرى، فإن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مطالبة بدعم اللاجئين الفلسطينيين الذين يصلون إلى مصر. إذ تشدد اتفاقية اللاجئين على أن التعاون الدولي مبدأ أساسي وأنه يجب على جميع الدول أن تلعب دورها.

تتطرق "إدواردز" -في تقريرها- إلى التقارير التي تفيد بأن مصر تطهر الأراضي بالقرب من الحدود استعدادًا للاجئين في حالة نشوب قتال واسع النطاق في رفح. وتقول: "لقد كان المجتمع الدولي والأمم المتحدة على حق في الدعوة إلى وقف إطلاق النار والإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الرهائن. ومع استمرار المفاوضات، يجب أن تكون الحتمية الإنسانية لإنقاذ الأرواح ذات أهمية قصوى".

اقرأ أيضًا: ما الذي يحدث في رفح المصرية؟

حتى مع وقف إطلاق النار.. أين سيذهب سكان غزة؟

وتضيف أنه كلما تحقق السلام، سيستغرق إصلاح مستوى الدمار سنوات. وهو ما يفرض سؤال: أين وكيف يعيش الفلسطينيون من غزة في هذه الأثناء؟"

تبقى الحقيقة أن الحق في الفرار وطلب اللجوء بموجب القانون هو حق فردي. ويجب أن تكون العائلات الفلسطينية، وهي تفكر في مستقبلها، قادرة على اتخاذ هذا القرار بنفسها. كما يجب على الأمم المتحدة - سواء كانت الأونروا داخل الأراضي أو المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر وخارجها - أن تدعم المدنيين الفلسطينيين.

وكذلك يجب أن يشمل التخطيط قصير الأجل للمساعدة في تخفيف الضغط على مصر والدول الأخرى التي تستقبل أي لاجئين عروضًا للإجلاء الطبي، ولم شمل العائلات، ونقل الحماية المؤقتة إلى بلدان ثالثة. ويجب أن تكون هناك التزامات بالعودة إلى غزة حالما تسمح الظروف بذلك. وهناك سوابق عديدة في جميع أنحاء العالم لاستراتيجيات شاملة مماثلة من جانب المجتمع الدولي، كما تقول "إدواردز".

لكن في الوقت الحالي، لا يملك المدنيون في غزة القدرة على تحديد مصيرهم. وقد أصبحت المجاعة أكثر احتمالًا من أي وقت مضى، ويمكن أن يأتي الموت في أي لحظة.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة