في أول تصريح صحفي عن مرحلة ما بعد الحرب في السودان بعد إعلان السيطرة على مناطق جديدة في أم درمان المطلة على نهر النيل قبالة الخرطوم، أكد مساعد القائد العام للجيش السوداني، الفريق ياسر العطا، أن "رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان سيتولى زمام الحكومة الانتقالية بعد نهاية الصراع الحالي" مع قوات الدعم السريع.
وقد أشار العطا إلى أن "الجيش لن يتنازل عن السلطة إلى الجهات المدنية إلا من خلال عملية انتخابية شفافة وديمقراطية"، مؤكدًا بذلك الالتزام بالمسار الديمقراطي والشرعية الدستورية. وهو إعلان آثار عديد من ردود الفعل عن الحرب الراهنة وكذا ما سيحدث بعدها في السودان الذي انشطر أجزاءً تتألم تحت وقع المواجهات العسكرية بين الفصيلين العسكريين المسيطرين على الأوضاع.
الجيش في أهم نقطة بأم درمان
قبل أسبوع، أعلن الجيش السوداني، السيطرة على مبنى الإذاعة والتلفزيون في منطقة أم درمان، إحدى مدن العاصمة الخرطوم، بعد وقت قصير من إعلانه تدمير قوة عسكرية ضخمة تابعة لقوات الدعم السريع كانت تخطط للهروب من الموقع الذي ظل محاصرًا لعدة أيام.
وأكد الجيش السوداني، في بيان أصدره، أن قواته أحبطت محاولة يائسة من ميليشيا آل دقلو الإرهابية، المقصودة بقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي"، للهروب من الحصار الذي فرضته عليها قوات الجيش في محيط منطقة الملازمين والإذاعة.
وأشار المكتب الإعلامي لقوات الجيش السوداني في بيان آخر إلى أن معظم القوة التي حاولت الهروب تم تدميرها والقضاء عليها، وتم التحفظ على معداتها وآلياتها، مع جارٍ إحصاء خسائر العدو.
وقامت حسابات الجيش على وسائل التواصل الاجتماعي بنشر مقاطع فيديو تُظهر عددًا من السيارات المدمرة بالقرب من مبنى الإذاعة والتلفزيون.
وأفادت مصادر عسكرية لصحيفة "سودان تربيون" أن الجيش السوداني دمر واستولى على أكثر من 120 مركبة قتالية، بالإضافة إلى كميات كبيرة من السلاح والذخيرة وأنظمة تشويش المسيرات.
ووفقًا للمصادر ذاتها، بدأت معركة الثاني من رمضان عندما حشدت قوات الدعم السريع نحو 40 مركبة عسكرية وسريتين مشاة خرجت من مقر الإذاعة ووصلت إلى حوش الخليفة، وتصدت لها الطائرات المسيرة مما أدى إلى تدمير أغلب القوة المهاجمة.
ومن جهته، أكد مستشار الدعم السريع، عمران عبد الله، أن "الجيش وكتائب المؤتمر الوطني الإرهابية هاجمت قوات الدعم السريع في محور الإذاعة، على الرغم من التزامها مسبقًا بوقف إطلاق النار".
وقلل مستشار قوات الدعم السريع مصطفى محمد إبراهيم من أهمية سيطرة الجيش على مباني الإذاعة السودانية، مؤكدًا أن قوات الدعم السريع انسحبت من الموقع بترتيبات من القيادة لتجنب الاشتباكات مع الجيش وعدم خرق الهدنة.
المبنى كان مقر اعتقال للدعم السريع
يقع مقر الإذاعة والتلفزيون في شرق مدينة أم درمان، ثاني أكبر مدن العاصمة السودانية الخرطوم كانت تحرسه قوات الدعم السريع قبل بدء الحرب في منتصف أبريل الماضي، ويطل المبنى على نهر النيل ويجاوره المسرح القومي، ويضم أيضا مقر قناة النيل الأزرق، التي تشترك في ملكيتها الحكومة وشركة خاصة.

ويعتبر هذا المبنى موقعًا استراتيجيًا حيث يُطل على نهر النيل ويجاور المسرح القومي ويضم أيضًا مقر قناة النيل الأزرق، التي تملكها الحكومة بالتعاون مع شركة خاصة.
كان المبنى يُستخدم كثكنة عسكرية وموقعًا لاحتجاز الأسرى المدنيين والعسكريين، وكان الجيش يُستهدف الموقع بشكل متكرر من خلال القصف بالمدفعية الثقيلة والطيران.
انتصار معنوي وعسكري مهم للجيش السوداني
لكن مستشار قوات الدعم السريع، مصطفى محمد إبراهيم، نفى هذه الاتهامات وصفها بأنها غير صحيحة، مُؤكدًا أن المبنى غير مهيأ لكي يُستخدم كمعتقل أو سجن.
وتمثل استعادة الجيش السوداني لمقر الإذاعة والتلفزيون انتصارًا مهمًا على الصعيد المعنوي والعسكري، حيث يُعتبر المبنى رمزاً للبث الإعلامي والإذاعي في البلاد، كما أنه يمثل تحدياً لمصير العاصمة السودانية في الفترة القادمة.
أحد الخبراء العسكريين، اللواء أمين مجذوب، أشار إلى أن استرداد مقر الإذاعة والتلفزيون كان حاسماً في المعركة، حيث تم إدارته بمهنية وتكتيكية عالية، مما أدى إلى تجنب خسارة الاستديوهات والمواقع الهامة في المبنى وتأثيره الكبير على عناصر الدعم السريع.
الجيش لا ينتوي ترك السلطة
وقد أثارت تصريحات مساعد القائد العام للجيش السوداني، الفريق ياسر العطا عن الوضع بعد الحرب ردود فعل واسعة داخل السودان سياسيًا واجتماعيًا، حيث رآها تحالف الحرية والتغيير تأكيدًا على توجهات الجيش بالمحافظة على دوره في الساحة السياسية بعد الفترة العصيبة التي تشهدها البلاد.
وأعرب خالد عمر يوسف، القيادي في تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية "تقدم"، عن استياءه من تصريحات العطا، حيث أكد أنها تكشف جزءًا من أهداف الحرب التي تجتاح السودان، معتبرًا أن هذه الحرب تهدف إلى ترسيخ نظام عسكري استبدادي يعرقل الانتقال إلى نظام ديمقراطي مدني.
وقال يوسف، في منشور نشره على منصة (إكس): "إن هذه الحرب لا تهدف إلا لإنشاء نظام قمعي عسكري يحجب أي تقدم نحو التحول الديمقراطي الذي يسعى إليه السودان".
ولكن التوم هجو، القيادي في تحالف القوى الوطنية، رحب بالموقف الذي أعلنه الجيش بعدم تسليم السلطة إلا عبر الانتخابات، مؤكدًا أن السودان بعد الحرب يحتاج إلى حكومة تستطيع إدارة الشأن العسكري والأمني والاقتصادي بكفاءة وقوة.
وأشار هجو، وفق موقع "الحرة"، إلى ضرورة تشكيل حكومة صارمة تدير المشهد الوطني بشكل متكامل، معتبرًا أن الشراكة مع القوى السياسية التي كانت جزءًا من الحكم في الماضي لا تمثل خيارًا مثلى، نظرًا لتركها الوطن يعاني من الأزمات والصراعات الدائرة.
وفي تحليله للوضع، أوضح أحمد عمر الصديق، أستاذ العلوم السياسية بالجامعات السودانية، أن إشراف الجيش على الفترة الانتقالية ليس أمرًا جديدًا في تاريخ السودان. وأشار إلى تجربة وزير الدفاع السوداني السابق عبد الرحمن سوار الذهب، الذي أشرف على فترة ما بعد إسقاط حكم جعفر النميري ثم سلم السلطة للحكومة المنتخبة.
من جهته، أكد الصديق على أهمية تواجد مدنيين في إدارة البلاد خلال الفترة الانتقالية، مع التأكيد على أن يكونوا من التكنوقراط المستقلين لضمان إدارة فعالة وشفافة تسمح بإجراء انتخابات حرة ونزيهة.
وبخصوص التوجهات المستقبلية للسودان، رأى الصديق أن الاعتماد على شراكة بين المدنيين والعسكريين يجب أن يتم بحذر، وأن يتم دمج جميع الحركات المسلحة في جيش واحد ممثل لإرادة الشعب السوداني، دون تفريقات حزبية أو سياسية، لضمان مستقبل مستقر وديمقراطي للبلاد.