سيري على بركة الله يا "نورماندي تو"

 

ما من مُمثِّلٍ كوميدي، يستولد ضحكاتي ويُفجِّر قهقهاتي، مهما بلغت حالتي المزاجية تكدَّرًا وسوءًا، بقدر الراحل عبدالفتّاح القصري، الذي حلّت ذكراه الستون، الجمعة الماضية.

عبقرية هذا العملاق، خريج مدارس "دي لا سال الفرير" الفرنسية، تكمن في إدارته المتاح من إمكانياته، حتى استطاع أن يغدو واحدًا من أبرز نجوم الكوميديا، ليس في عصره فحسب، بل على مدار تاريخٍ لم ينتهِ بعد.

صحيحٌ أن الفطرة منحته خفة ظل استثنائية، لكن هذه وحدها لا تكفي، فإلى جوار ذلك، كانت هناك نواقص ومعوَّقات فطرية أيضًا، منها أن مواصفاته الجسمانية لا تؤهله للنجومية، بأي حالٍ من الأحوال.

قامة قصيرة، وقوام أسطواني أو قُل بيضاوي، له كرشٌ ناتئٌ، ولا تستطيع أن تجد له خاصرةً، إذا مشى فإنما هو يترنَّح شِمالًا ويمينًا، أو يتدحرَّج كالهودج إلى الأمام والوراء، في حين لا تقل قسمات وجهه عن جسمه تعاكسًا ومُنافرةً؛ عيناهُ يتخاصم بؤبؤهما خصامًا لا رجعةَ فيه، فإذا بهما ينحرفان إلى خارج الوجه، كأنهما يتوقان إلى الهجرة منه، وصوته أجشٌ كمزلاج بابٍ حديدي عتيق، وشاربه فوق شفتين كحافظة النقود الجلدية، وسواءً أهمله أو هذَّبه بقي متنافرًا، لكنه في تنافره ذاك، يزيد الصورة الكلية انسجامًا واتساقًا.

مظهر كاريكاتوري، يحرمه بالطبع من أدوار الفتى الأول، إذ ليس من المُتصوَّر أن يكون حبيبًا، تهيم به ذات القسمات الملائكية فاتن حمامة، أو تعشقه أرق دلوعات السينما والغناء شادية، أو تُعجب به أسطورة الغواية الأنثوية هند رستم، غير أن هذا الضعف، قد كان لمَّا أُديِر على نحوٍّ رشيد، مصدر قوته.

اقرأ أيضًا:قُل السياسات “الاقتراضية” ولا تقل الاقتصادية

استثمر القصري ما أتيح له من مقومات، فابتكر لكنةً كلام، سُجِّلت حقوق ملكيتها باسمه حصريًّا، ونبرةَ صوتٍ غير مسبوقة، تجدهما أكثر شيء في الفيلم الذي لا يُملَّ "ابن حميدو"، وفي عباراته التي لم تفقد طزاجتها وأشهرها: "خلاص حتنزل المرة دي.. بس المرة الجاية لا ممكن أبدًا".

على أن هذا القالب الخارجي، من المظهر والأداء التمثيلي، كان يعوزه شخصية عامة "كاراكتر" حتى يتألق ويلمع، فإذا هي شخصية الغبي، بل شديد الغباء والحماقة، الذي يفجِّر الضحكاتِ مدوّيةً، جراءَ سوء تعامله مع المواقف، التي يتوَّرط فيها، فإذا هو كما يقول المثل: "يغرق في شبر ماء".

غباء القصري على الشاشة، "فطّس" المصريين من الضحك، من جيل جدي رحمة الله عليه، مرورًا بأبي وأولادي، وظني أن نجوميته ستبقى عابرة للأزمان، ومتوهجة من جيل إلى جيل.

لن تجد رجلًا يخون زوجته، وهو من الغباء إلى حد أن الزوجة ذاتها تختبئ خلف ستار، في غرفة عشيقته "الرقَّاصة"، فيغازلها ويبثها لواعج شوقه اللاهب، وحنينه الجارف، وهي تتوَّعده أنها "ستخرب بيته" إن دخل عليها، إذ تخلع ملابسها، فيسألها مستجديًا أن تمدّ له كفها، فينهال عليه تقبيلًا، من دون أن ينتبه إلى أن تلك الأصابع التي يتغنى بحسن منظرها "كأنها أصابع موز"، هي أصابع زوجته وعِشرة عمره، بما يوحي بأن "الشبكة ساقطة" تمامًا، كشبكات الهواتف المحمولة التي دوَّختنا سبعًا خلال الأسبوع الماضي.

التمييز صفر، والذكاء صفر، والملاحظة تحت الصفر.

ثم يمضي المشهد تصاعديًا، حتى خروج الزوجة "زينات صدقي" بغتةً، من وراء الستار، وقد "استلت شبشبها"، لتوسعه ضربًا على يافوخه عقابًا على لعبه بذيله، وهو يتواثب ويصرخ أمامها: "كتاكيت"، مُتظاهرًا أن لوثةً أصابته، فأجهزت على ما تبقى من عقله.

شخصية الغبي خفيف الظل، التي لا تخلو من حذاقة أو "حداقة" باللهجة المحكية، كانت هي المنطقة التي اختارها القصري لنفسه، فبرع فيها متفوقًا على كل نجوم الكوميديا في عصره، وبعد عصره، وقد عزَّزها بـ"الإفيهات" الخالدة، على نحو: "يا صفايح الزبدة النايحة"، أو "أنت فلسفوس كبير".

أن تبلغ النجاح، أن تعي إمكانياتك موضوعيًا، بغير تهوينٍ أو تهويل، ومن ثمَّ تُسخّر هذه الإمكانيات كونها أدواتك المتاحة، أو قُل هي "الزاد الذي ستعتمد عليه" في رحلتك الشاقة، فإن لم تستطع فعليك بأهل الخبرة "بالخاء وليس الهاء"، حتى يرسموا لك خارطة طريقك.

الخطوة الأولى نحو النجاح، هي تحديد مواطن القوة والضعف، وليس سرًا أن أصعب امتحان في حياة كل إنسان؛ هو استكشاف ذاته سعيًا لاستخراج كنوزها المخبوءة، وفق عبارة أبي الفلاسفة سقراط "اعرف نفسك"، والتي يُفسِّرها في موضع آخر: "ليس يعنيني ما وراء الأشجار في الغابات، لكن ما يهمني هو الأشجار البشرية، فالإنسان إذا يعي ذاته، يكون إذن قد وَعىَ الكونَ بأسره".

الفشل هو المصير الحتمي، حين يظن من لا يقدر أنه يقدر، أو كما يقول الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل: "مصيبةٌ عصرنا أن الجهلاء الذين لا يفهمون، يشعرون بالتفوق، في حين تملأ الأذكياء الشكوك".

كل واحد منا قابل في حياته، نرجسيًا منفوشًا كالطاووس، وهو ينطوي على خواء فكري وإنساني مطبق، لكنه يحس أنه أوتي من الفضل، ما لم يحظَ به السابقون واللاحقون.

هذا مريض بعلةٍ ما، تؤثر سلبًا على قدراته الجنسية، لكنه يطارد الحسناوات وغير الحسناوات، ساعيًا إلى الإيقاع بهن في حبائله، فإن استجبن له، "وغُلِّقِت الأبواب"،  تجسدت الحقيقة؛ إن صاحبنا "المتعنتِّر" لا "يهش ولا ينش"، وذاك لا يُحسن ترتيب جملة مُترابطة، فإذا تحدَّث فأفأ وثأثأ ومأمأ، لكنه يظن أنه سيد البلغاء، وهنا ذو صوت كنقيق الضفادع، يريد العمل إذاعيًا، وهنالك مدعٍ للحكمة متشدّق بالخبرة، يخاطب السماء والأغرب أنها ترد عليه، من وراء حجب الغيب، فتُلهمه القرارات السديدة، فإذا بتلك القرارات "تجيب الخراب مشمول"، وفق تعبير شاعرنا الراحل أحمد فؤاد نجم، غير أنه يُهرطِّق أن خيبته الثقيلة، هي إنجازات لا يعرف العامة والدهماء قيمتها.

في كل تجربة انتهت إلى خسارة، ستجد شخصًا بالغ في تعظيم قدراته، وفي كل مشروع لم يأتِ بمردود، ستجد متعجرفًا رفض تقييم إمكانياته، وصعَّر خدَّه استعلاءً حين عُرضت عليه دراسات الجدوى، فذهب إلى أنها مضيعة للوقت، ومُعطَّلةٌ لطموحاته، التي أملَتها عليه حكمته الكلية الجامعة المانعة.

من الغريب والمحيِّر أن محدودي الذكاء، يشعرون بفوقيةٍ فظة، ويتعاملون بتعالٍ مع الآخرين، في حين لا يشعر الأذكياء أبدًا بالرضا عن النفس، ودائمًا ما تساورهم الشكوك في قدراتهم، وانطلاقًا من هذا الشعور، يستغرقون في تحدي الذات، تحديًا مُدوَّمًا، من أجل بلوغ الأفضل والأمثل.

يقول كونفوشيوس: "إن المعرفة الحقيقة هي أن تعرف مدى جهلك"، أي أن تقيَّم ذاتك تقييمًا نزيهًا، فتسعى لتغطية فجواتك المعرفية والخبراتية، سعيًا إلى استكمال نواقصك.

ما ينطبق على الأفراد ينطبق على الكيانات، سواءً كانت بقالة صغيرة، أو حتى دولة.

في بقالةٍ بحيٍّ شعبي، حيث يعيش على الأغلب محدودو أو معدومو الدخل، ليس منطقيًا أن تبيع الجبن الفرنسي الفاخر، الذي يُحضَّر من حليب الماعز، ويُلفُّ بأوراق الكستناء، ويُغمَس في البراندي، ولا السالمون النرويجي المدَّخن، الذي يُصنع منه "السوشي"، هذا لا يناسب طبيعة السوق، وفوق القدرات المادية لبيزنس ذي أرباح وموارد شحيحة، والمؤكد أن صاحب البقالة، سيخسر جراء انتهاء صلاحية هذه البضاعة، أو سيحرق أسعارها بغية الخلاص منها، ذلك أن "خسارة قريبة أحسن من مكسب بعيد".

كذلك الأمر، ليس عقلانيًا، وليس من الرشادة، في دولة تُكبِّلها الديون، وتضغط عليها التزاماتها المادية، ويصلى شعبها نار غلاء ذات لهب، أن تُراق الموارد على مشروعات عقارية فارهة، وقطارات كهربائية ومعلَّقة، وكمبوندات يبلغ سعر الشقة فيها، أرقامًا تبدأ من ستة أصفار، فما فوق.

 

وكما بدأنا مع القصري، نختم به، إذ عبَّر في "ابن حميدو" بعبقرية استثنائية، عن شخصية المدَّعي "شيخ الصيادين" الذي لا يحذق عمله، ولا يفقه أسراره، ولا يدرك تهافت إمكانياته، غير أنه قرر ترميم قارب متهالك، كان أطلق عليه "نورماندي" تيمنًا بالسفينة الفرنسية الأشهر، وفي لحظة تدشين القارب استعدادًا لعودته إلى الخدمة، ابتلعته مياه البحر، بعد حفل كبير، كان ختامه عبارة لزوجته المتسلطة "أم حميدة": "سيري على بركة الله يا نورماندي" تو.. تو.

 

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة