كان الختان ولا يزل عادة جاهلية لا تستند لأي أساس علمي أو طبي، مارستها بعض المجتمعات لأسباب مجتمعية ودينية، ورغم ادعاء البعض وجود فوائد صحية لها، فلا يوجد أي أساس علمي قوي يثبت ذلك، وإنما تأتي هذه الادعاءات لدعم التبريرات الاجتماعية.
تعددت فرضيات تفسير منشأ ممارسة الختان، فبعض العلماء يرون أنها عادة مجتمعية منشأها مصر القديمة، والبعض الآخر يرى أنها تعود إلى أبعد من ذلك، فهي عادة دينية ارتبطت بالأديان بشكل وثيق، بل إن إجراءها (كما في حالة الذكور) في بعض الأديان كان شرطًا لإتمام شعائر اعتناق الدين، كاليهودية مثلًا، فلا يكون الفرد يهوديًا حتى يختن.
كذلك، في الدين الإسلامي، يرى أغلب الفقهاء ضرورة إجراء تلك الممارسة التي سُميت بالطهارة أو الختان، تأصلت تلك العادة أكثر فأكثر، فكانت بدايتها عند الذكور، ثم أخذت في طريقها الإناث من منظور ديني ومجتمعي، ليراها البعض نوعًا من الطهارة ودليلًا على الشرف عند الإناث.
ترسخت عادة ختان الإناث عبر العصور لتجد مستقرًا لها في دول شرق وغرب وشمال شرق إفريقيا وأجزاء من آسيا والشرق الأوسط، وفي أوساط المهاجرين في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا.
اقرأ أيضًا:فين جوزك؟.. حق امرأة “وحيدة” في أن تجد سكنًا
تشير الأدلة الأثرية إلى أن الختان كان يمارس منذ فترة طويلة في التاريخ، وعُثر على أقدم تدوين للختان في ضريح مصري يعود تاريخه لحوالي 2400 عام قبل الميلاد، ما يشير إلى أن هذه العادة كانت معروفة منذ مدة بعيدة في المجتمعات القديمة.
في العصور السابقة، كانت هذه الممارسة مقبولة مجتمعيًا، ولكن مع تقدم العقل البشري وتطور الوعي الجمعي، أدركت المجتمعات أنها عادة غير مقبولة وتسبب أضرارًا خطيرة للجسم البشري، ما دفع مشرّعو القوانين إلى التدخل في هذا الشأن.
ويختلف تاريخ منع ختان الإناث باختلاف البلدان والثقافات والتشريعات، فهناك بعض الدول التي تحظر قوانينها ختان الإناث، في حين لا تزال تلك العادة مسموح بها، بل ومنتشرة في بلدان أخرى حتى وقتنا الحالي، وقد يعود ذلك إلى تمسك البعض بتلك العادة البالية وربطها بالموروث الديني والتراث المجتمعي.
بدأت رحلة تجريم ختان الإناث في مصر بإصدار قانون يجرم الختان عام 1979، واستمرت هذه الجهود حتى وصلت إلى القانون الصادر عام 1996، والذي يمثل الخطوة الأولى في مساعي مواجهة هذه الجريمة التي تُرتكب علنًا باسم العادات والتقاليد والأديان.
في عام 1996، أصدرت وزارة الصحة مرسومًا يحظر ممارسة ختان الإناث بالاستناد إلى القانون الجنائي الذي يمنع المساس بجسم الإنسان إلا بشروط طبية.
أما في عام 2007، أصدرت وزارة الصحة المصرية مرسومًا وزاريًا (271) لسد الثغرات القانونية الموجودة في المرسوم السابق الصادر في عام 1996. وجاء نصه كالآتي: "يحظر على الأطباء وأعضاء هيئات التمريض وغيرهم إجراء أي قطع أو تسوية أو تعديل لأي جزء طبيعي من الجهاز التناسلي للأنثى (الختان) سواء في المستشفيات الحكومية أو غير الحكومية وغيرها من الأماكن وما ترتب على ذلك من آثار، وإلزام الجهة الإدارية المصروفات".
في يونيو عام 2008، وافق مجلس الشعب المصري على تجريم ختان الإناث في قانون العقوبات المصري. ونصت المادة 242 من القانون على أنه يُعاقب بالحبس لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تتجاوز سنتين، أو بغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه، كل من أحدث الجرح المعاقب عليه في المواد 241 و 242 من قانون العقوبات عن طريق إجراء ختان الإناث.
في 3 فبراير 2013، قضت المحكمة الدستورية العليا برفض الطعن المقدم من بعض المحامين بشأن دستورية المادة 242 من قانون العقوبات التي تجرم ختان الإناث، وقد اعتبرت المحكمة أن هذا القرار يتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية والمادة الثانية من الدستور الذي صدر في عام 1971.
وبذلك، أيدت المحكمة قرار وزير الصحة رقم 271 لسنة 2007 الذي يقضي بتجريم ومنع ختان الإناث في المستشفيات الحكومية والخاصة.
وقد ساهمت الحركة النسوية ومجهودات الكثير من الحقوقيات في سن تلك القوانين ورفع الوعي المجتمعي بأضرار تلك الممارسة، ونخص بالذكر باحثة الأنثروبولوجيا ماري أسعد، ففي عام 1979، نشرت أبحاثها في مصر عن الآثار السلبية لختان الإناث، الأمر الذي ترك أثرًا ملموسًا على زيادة الوعي تجاه أضرار ختان الإناث.
تعد ماري أسعد أول من كتبت عن الختان وتطرقت إلى أضرار هذه الآفة، حيث بدأت تُركز على الواقع المرير الذي تعيشه النساء بعد ختانهن، ونتائج تلك الجريمة البشعة عليهن. كما ركزت أبحاثها على مصر وشمال إفريقيا لمخاطبة المجتمع، ونجحت في تحويل الأمر إلى قضية رأي عام. وقامت بترجمة أبحاثها إلى اللغة الإنجليزية للتوسع في نشر القضية بصورة أكبر.
نتيجة لجهودها، أصبح تجريم الختان واحدًا من أهم أهداف المجلس القومي للأمومة والطفولة في عام 1980. ويُؤول إليها الفضل في لفت نظر الحكومة المصرية إلى هذه الظاهرة لتجريمها ختان الإناث.
وأيضًا، الناشطة الحقوقية عزيزة حسن، فقد ساهمت في كسر تابوه ختان الإناث ونشرت العديد من الكتابات عن آثاره الخطرة في الستينيات.
وكانت أشهر من تطرقت لتلك القضية مجتمعيًا الطبيبة والكاتبة نوال السعداوي. أدى نضالها إلى زيادة الوعي المجتمعي في مصر. فقد ناضلت على مدار حياتها ضد ختان الإناث واصفة إياه بأنه أداة لقمع النساء. ونشرت كتابها الأشهر "المرأة والجنس"، أحد أهم الكتب التي تناقش المرأة تشريحيًا ونفسيًا، حيث تطرقت إلى كثير من قضايا العنف التي تعاني منها النساء في مصر، وأهمها ختان الإناث أو كما أطلقت عليه الدكتورة نوال "تشويه الأعضاء التناسلية".
وبالرغم من استمرار هذه الممارسة حتى يومنا هذا إلا أن معركة نشر الوعي ما زالت مستمرة، ومناهضة ختان الإناث تسير في طريق متقدم، فقد تضاءلت كثيرًا مع سن القوانين الرادعة لتلك الممارسة الشنيعة وإسهام الكثير من الحقوقيات في تصحيح المفاهيم الخاصة بختان الإناث.
