على غير العادة، صحونا من نومنا، صباح الأربعاء، وليس الخميس كما هو متعارف عليه، على ما يجوز تسميته؛ "صدمة الهلع"، وتتمثل في قرار التعويم الذي دفعت الحكومة الرشيدة، بأنه سيصب في مصلحة المواطن، الذي صار يخشي أن يتحوّل الأمر سُنّةً، فيغدو الصب يومين أسبوعيًا.
البنك المركزي أعلن عقب اجتماع لجنة السياسات النقدية، ثلاث قرارات، وهي البدء في تحديد سعر الصرف، بحسب آليات السوق، فضلًا عن رفع الفائدة بنسبة 6%، وإصدار شهادات استثمار لمدة 3 سنوات بعوائد 30% تتناقص سنويًا.
هذا ما جاء في البيان الرسمي، الذي لا تنفي ديباجته المُحكمة واقع أن الدولار سدد للجنيه، لكمة خاطفة خُطافيَّة مباغتة ثقيلة، فإذا به يَتسَّاقط على الأرض، تساقط الرطب جَنيًا على سيدة نساء العالمين، مريم بنت عمران، إذ فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة.
انخفاض سعر الجنيه من 30 إلى ما نحوه 50 للدولار، في تعاملات البنوك، ليس تحريرًا لسعر الصرف، بقدر كونه تدحرجًا سريعًا، إلى هاوية مرعبة، وهناك بالطبع مخاوف من استمرار التدحرج، بالتزامن مع تحذيرات من "تسونامي غلاء" يضرب المواطن "ممصوص الدم"، ويحاصر كذلك عملية تدفق الاستثمارات، نظرًا لزيادة تكلفة الاقتراض، وماسيترتب على ذلك، من رفع أسعار المواد الخام، ومن ثم تقليص الأرباح.

إقرأ أيضاً: الجنيه والأسعار.. 8 أسئلة يبحث المواطن عن إجاباتها بعد “اصطباحة الأربعاء”
على أن التعويم بذاته ليس قرارًا مفاجئًا، فتلك اشتراطات صندوق النقد الدولي، الذي ربط منح مصر قرضًا جديدًا بالخضوع إليها، وهو ما التزمت به القاهرة، فإذا بالصندوق يعلن تخصيص 8 مليارات دولار لها، في سلوك أشبه ما يكون بسلوك المرابي اليهودي "شيلوك" في رائعة وليام شكسبير "تاجر البندقية".
بأي منطق عقلاني، فإن قرار التعويم لن يأتي بخير على الاقتصاد المصري، وهذه ليست فتوى من لدن الفقير إلى الله كاتب هذه السطور، الذي لم يكن طالبًا شاطرًا في الاقتصاد، مثل جهبذ الجهابذة يوسف الحسيني، فرأس الدولة المصرية، قال بعظمة لسانه في يونيو الماضي، إذ كان يتحدث عن التعويم: "مصر تطبق مرونة سعر الصرف، ولكن عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي ويؤثر على حياة المواطنين فلا".
لكن يبدو أن هذه الـ "لا النافية" قد ذابت تحت وطأة "الخنقة الاقتصادية"، واحتياجات مصر للعملة "الصعبة جدًا"، بغية تلبية فاتورة الاستيراد التي تبلغ نحو 90 مليار دولار سنويًا، مقابل صادرات إجمالية بنحو 52 مليارًا، أي بمتوسط عجز 38 مليارًا.
هذا العجز وحده، كفيل بامتصاص دولارات صفقة رأس الحكمة، وقرض الصندوق معًا، في حين لا تنزاح مُعضلة خدمة الدين، من أقساط وفوائد بأكثر من 42 مليارًا خلال العام الجاري، وهي أعلى دفعة مطلوب سدادها على الإطلاق في تاريخ مصر، بعد أن قفزت الديون إلى نحو 165 مليار دولار.
والغريب أن "بهاليل برامج "قلة الأدب شو"، أمعنوا في الإشادة بقرض الصندوق الجديد، باعتباره دليلًا على الثقة في الاقتصاد المصري، رغم أن الشواهد التاريخية تؤكد أن الصندوق ما إن يضع يديه على السياسة النقدية في بلد، حتى يخربها خرابًا مستعجًلا، وهو ما يعد نتيجة طبيعية بالنظر إلى الأهداف التي أنشئ الصندوق من أجلها، بعد الحرب العالمية الثانية، وفي الصدارة من تلك الأهداف، توجيه فوائض الدول الرأسمالية نحو إقراض الدول الفقيرة، لتحقيق أرباح مضمونة، تزيد الأثرياء ثراءً، والفقراء فقرًا، مع تأسيس نظام اقتصادي كوني يتمحور حول الدولار.
حصاد تدخل الصندوق في السياسات الاقتصادية للدول المأزومة، التي تتبنى رغم أنفها شروطه المجحفة كان دائمًا في مرارة العلقم، إذ آلت الأمور إلى كوارث سياسية إلى جوار تفاقم الفقر.
اقرأ أيضًا:عمال أم عبيد؟
خلال العقود الخمسة الماضية خرّب الصندوق الدول التي منحها قروضًا باليمين، وأغمد خناجر هيمنته الاقتصادية باليسار، في الوقت ذاته.
صندوق النقد ليس جارك الطيب، الذي يهرع إليك في الأزمات، حتى "يُكرمّش" ورقة بمائتي جنيه، فيدسها في جيب قميصك، وليس أخاك المغترب في الخليج، حتى تقصده لانتشالك من أمواج الفاقة.
في عام 1980 منح الصندوق الصومال 150 مليون دولار، "فقط لا غير"، وشرع هذا البلد العربي الفقير في تنفيذ اشتراطاته، فإذا بالاقتصاد ينهار أكثر، ومن ثم انعكست الفاقة الاقتصادية على الحالة السياسية، فاندلعت الحرب الأهلية، وتقسَّمت البلاد أجزاءً، وما زالت بعد أكثر من 40 عامًا، تتخبط في قعر أزماتها.
المكسيك لم تسلم بدورها من السقوط في شراك المكائد، حين ألزمها الصندوق بخطة "بيكر"، التي حصلت بمقتضاها على 3.4 مليار دولار قرضًا، لمواجهة انخفاض أسعار النفط عالميًا، وكانت النتيجة سقوطها، في التبعية لواشنطن، وكذلك خروج 45 مليار دولار منها إلى الولايات المتحدة.
بمعنى آخر، انتهت الخطة "الإصلاحية" إلى هيمنة سياسية وخراب اقتصاد متزامن، فضلًا عن أزمات ارتفاع الجريمة وشيوع المخدرات، وما إلى ذلك من نتائج سرطانية للفقر.
إن الصندوق لم ينجح إلا في تدمير الدول.. هذه العبارة التي قالها الرئيس البرازيلي لولا دي سلفيا، لدى انتخابه في المرة الأولى عام 2003 كانت المفتاح السحري لإخراج بلاده من "العوز"، ووضعها على طريق الإصلاح الصحيح.
كان الرئيس "تاجر الأحذية اليساري الفقير"، قد تسلم الحكم بعد انتخابات نزيهة، جاءت نتيجتها ضد إرادة الولايات المتحدة، وكان الصندوق قد هدَّد قبل ذلك بعام، بإعلان إفلاس البرازيل، إثر تعثرها في سداد الديون، كما رفض إقراضها مجددًا بعد أن أحكم الخناق على رقبتها، ما أدى إلى تدهور العملة المحلية، فإذا بالدولار يساوي 11 ألفًا ريالًا برازيليًا.
وجد "دي سيلفيا" أمامه كومة ثقيلة من التحديات، عليه أن يرفعها من على الأرض، حتى تتحرك عجلة الاقتصاد، وكانت أبرزها أزمة الفئات الأكثر فقرًا، الذين صاروا يشكلون قنابل غضب موقوتة في المجتمع، فقرر الرئيس"الثائر على هيمنة الصندوق"، استحداث بند "الإعانات الاجتماعية المباشرة" في الموازنة، وتقرر بناءً عليه منح 735 دولارًا معونة شهرية لـ11 مليون أسرة.
بحسبة بسيطة.. ووفق سعر الصرف الرسمي، لحظة كتابة هذه السطور، فإن كل أسرة حصلت على ما يوازي حوالي 36 ألف جنيه، وهو رقم يحلم معظم المصريين بنصفه، لمساعدتهم في هذه الأيام العجاف.
وحتى يوفر الرئيس الأموال اللازمة، لهذا البند الضروري واللازم لتأمين السِلم الاجتماعي، رفع ضرائب الدخل على رجال الأعمال، في مقابل منحهم تسهيلات استثمارية واسعة، وقروضًا ذات فوائد منخفضة، وبشروط مرنة، ما ساهم في تعظيم أرباحهم، ومن ثم تهدئة مخاوفهم من "النزعة اليسارية للرئيس".
وخلال فترتي حكمه، ركز "دي سيلفيا" على أربع ملفات، وهي التعدين والصناعة والزراعة، لما لها من مردود مباشر على زيادة الدخل، وكذلك التعليم الذي يعد الاستثمار الأمثل والأهم لأي نظام سياسي تقدمي مستنير.
وبعد خمس سنوات فقط، وتحديدًا إبَّان أزمة الائتمان العقاري العالمي، كان "دي سيلفيا" يُقرض الصندوق 14 مليارًا من الدولارات، بعد أن كان يهدد بإعلان إفلاس بلاده.
خارطة الطريق نحو الإصلاح الاقتصادي واضحة، والعيب يكمن في السياسات "الاقتراضية" لا الاقتصادية، التي لا تؤدي إلا إلى المزيد من الفقر وفقدان الاستقلالية السياسية، والانصياع لأي شروط مقابل حل أزمات اللحظة الراهنة، وتصدير الأزمات الراهنة إلى المستقبل.
الحل ليس في التعويم من أجل الاقتراض، وليس في الاقتراض من الأصل، بل في تبني سياسات اقتصادية جديدة، ترتكز على الاستفادة من قدرات مصر، وهي ليست أقل من البرازيل، بأي حال من الأحوال.
في حواره مع "فكَّر تاني" يقول الدكتور حسام البدراوي: "مصر ليست فقيرة، لديها بحر أبيض متوسط شمالًا به أجمل الشواطئ، وبحر أحمر شرقًا، وثروة طبيعية كبرى منحنًا الله إياها: 365 يومًا مشمسًا، تقدر تطلَّع منها طاقة نظيفة، كما تستطيع الحفر في الأرض لتجد ما يستحق.. لديك 60% من تاريخ العالم مدفون في أرضك، ولديك بترول وغاز طبيعي، وإمكانات سياحية غير متوفرة في أي دولة أخرى، ولدينا 65% من الشعب في سن الشباب، وهم قوة ضاربة لصناعة المستقبل".
تغيير الأولويات الآن قبل ألا يكون هناك آن.
إتاحة المجال للقطاع الخاص، ورفع قبضة مؤسسات الدولة، المهيمنة على الاقتصاد الآن، قبل ألا يكون هناك آن.
ووقف البذخ الحكومي، ومعه المشروعات المظهرية، التي تشبه المراجيح التي لا تدر عائدًا، ولا تشفي أمراض الاقتصاد والإنسان المصري، الذي "طفح الدم" جراء تكرار الخطايا، على افتراض أنها ستحقق نتائج مختلفة، رغم تجربتها في أربع مرات، أو أربع قرارات بالتعويم خلال السنوات العشرة الماضية.
الفريضة الغائبة في مصر، هي فريضة الأخذ بالعلم، والعلة المستحكمة هي احتقار الرأي الآخر، وشطب الشعب من أي قرار، واستمرارية المنهج السلطوي الفردي في اتخاذ القرار، فهل ثمة فرصة لتغيير ذلك؟
إقرأ أيضاً: رحيل أسقف التوازنات.. تلميذ “المسكين” وسكرتير “شنودة”.. وخازن أسرار “وادي النطرون”
جميل