السبت, يناير 17, 2026
spot_img

رحيل أسقف التوازنات.. تلميذ “المسكين” وسكرتير “شنودة”.. وخازن أسرار “وادي النطرون”

بصوت مطبوع بالوقار، ومشية هادئة تشي باتزان، وثقة، يتهادى الأسقف القادم من إيبارشية (تقسيم كنسي للإدارة) حلوان والمعصرة إلى المقر البابوي بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية، صاعدًا سلمه المنبسط باتكاء يسير على عصا الرعاية، وموزعًا ابتسامته على محيطه من الخدام، والكهنة، والصحافيين، وهو يقول: لا أستطيع التأخر عن اجتماع لقداسة البابا ليلًا، أو نهارًا.

وبينما يعصف الغضب بشباب الأقباط في فناء الكاتدرائية، وتتصاعد هتافات منددة بحادث كنيسة القديسين ليلة رأس السنة عام 2011، تخرج تصريحات الأنبا بيسنتي باتجاه المحبة، لافتًا إلى أن الوحدة الوطنية على أرض مصانة، وممتدة.

ودعت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية الأنبا بيسنتي أسقف حلوان، والمعصرة، أمس الإثنين، وسط حشود من محبيه أساقفة المجمع المقدس، وكهنة، وأبناء إيبارشيته، عن عمر ناهز 83 عامًا، قضى منها نحو 53 عامًا في الحياة الرهبانية.

ويأتي خبر وفاة الأنبا بيسنتي، مُذكرًا المهتمين بالشأن القبطي برحيل كبار المطارنة والأساقفة في المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذوكسية، والذين وفق ” المقربين” يحملون معهم أسرار النصف الأخير من القرن الماضي وتحديدا منذ تنصيب الراحل البابا شنودة الثالث بطريرك للكنيسة في بداية السبعينيات..

وينتمي “الأنبا بيسنتي” إلى قرية الإخصاص- إحدى قرى مركز الصف – جنوب الجيزة-، وهو الانتماء الذي صادف معرفة عميقة بطبائع الحياة في مدينة حلوان، وما حولها، نظير وحدة جغرافية تجمع مكان النشأة، والخدمة.

وحصل “بيسنتي” المولود في الثامن من يونيو عام 1941 على بكالوريوس الزراعة –جامعة القاهرة- عام 1962، ومن بعده درجة الماجستير في الكيمياء الحيوية عام 1969، ومارس العمل البحثي لنحو ثمان سنوات بالمركز القومي للبحوث.

اقرأ أيضًا:الدولار بـ 47 ولا 53.. ما الذي سيُحدثه موسم الصفقات بالجنيه؟

بداية الرهبنة

ولم يكن “بيسنتي” –الذي التحق بالرهبنة في الخامس والعشرين من أغسطس 1971 بدير أبو مقار – وادي النطرون- راهبًا عاديًا، ورغم بدايته كتلميذ من تلامذة الراحل الأب متى المسكين المؤسس الثاني لدير أبو مقار على طريق مصر الإسكندرية الصحراوي بالقرب من مدينة السادات، وقت ذروة خلافه الشائع مع الراحل البابا شنودة، غير “القمص بيسنتي المقاري” مساره متجهًا إلى دير الأنبا بيشوي- مستقر البطريرك الراحل- البابا شنودة الثالث.

ويفسر المفكر القبطي كمال زاخر- مؤسس جبهة العلمانيين الأقباط- التحول السريع في مسيرة “الأنبا بيسنتي” الرهبانية من مدرسة “متى المسكين” إلى دير الأنبا بيشوي، بأنه قد يكون سببًا رئيسيًا في اختيار البابا شنودة له كسكرتير شخصي عام 1980.

وسيم – تمت تسميته- “الأنبا بيسنتي” قسًا في الثاني عشر من نوفمبر عام 1972، ثم عين أمينًا لدير الأنبا بيشوي بعد عام واحد من سيامته، وفي العام ذاته انتدب للإشراف على كنيسة السيدة العذراء بجاردن سيتي، وعمل مشرفًا روحيًا على الكلية الإكليريكية عام 1975.

تدرج الأسقف السريع في المناصب الكنسية بعد وقت قصير من سيامته قسًا، يرى “زاخر” أن هذا التدرج نتيجة منطقية لقدرته على إنجاز ما يوكل إليه من مهام، إضافة إلى حرصه الشديد على سرية ما يدور في المقر البابوي، وخاصة في الفترة الحرجة إبان الخلاف بين الرئيس السادات، والبابا شنودة.

ويرى “زاخر” أن زحمة المناصب الكنسية الموكلة إلى “الأسقف الراحل” في بداية فترته الرهبانية، ربما كانت مكافأة نظير انتقاله من المعسكر “المقاري” إلى دير الأنبا بيشوي.

ورقي “بيسنتي” قمصًا في الثاني عشر من يوليو عام 1975 بيد البابا شنودة الثالث، وبعدها بنحو عامين أرسل للخدمة في كنائس المهجر، وفي عام 1980 عينه البابا شنودة سكرتيرًا خاصًا، ثم انتهت به المناصب الكنسية إلى أسقفية “حلوان، والمعصرة” عام 1988، والتي قضى بها نحو 40 عامًا.

اقرأ أيضًا:ما الذي يحدث في 49 شارع رمسيس؟..عن انتخابات “المحامين” الاستثنائية

مسيرة الأسقف المتزن

خلال مسيرته التي شهدت أحداثًا عاصفة محفورة في الذاكرة الكنسية، احتفظ الأنبا بيسنتي الناشيء في كنف البطريرك الراحل البابا شنودة الثالث بهدوء واتزان يتناسبان مع خبرات بنيت بكاملها إلى جوار الكرسي البابوي.

ويقول “زاخر”: بحكم موقعه الملاصق للبطريرك الراحل “البابا شنودة الثالث”، تبدو قدرة الأنبا بيسنتي على التعاطي مع الصحافة، والإعلام وقت الأزمات منطقية جدًا.

ويضيف لـ”فكر تاني”: لحرصه على ضوابط وظيفته، وثقة القيادة الكنسية في اتزانه، وعدم الاشتباك مع أي طرف، أطلقت يده في التعامل مع الإعلام.

تبنى “الأنبا بيسنتي” موقف البابا شنودة من القضية الفلسطينية، وسفر الأقباط للقدس، لدرجة الإشادة بالمقاومة الفلسطينية في ذكرى يوم الأرض الفلسطيني- أبريل 2002، رافضًا وصف العمليات الفدائية بالانتحارية.

ويصف “زاخر” حراك الأنبا بيسنتي داخل دائرة التأثير الكنسي إعلاميًا بـ”الذكاء”، لافتًا إلى أنه لم يتورط في مشادات إطلاقًا سواء مع العلمانيين، أو الأساقفة، أو أية أطراف أخرى، ويتجلى ذلك – حسب وصفه- في تصريحاته الهامة “فبراير 2011” بإدانته لمطالب فرض الحماية الدولية للأقباط في مصر.

تصريحات “بيسنتي” التي أكد فيها على أن حماية الأقباط في بلدهم دائمًا وأبدًا قضية وطنية، لا يمكن أن تطلب من دولة أخرى”، داعيًا إلى فتح حوار وطني مطول مع أقباط المهجر، سارت بمحاذاة مواقفه من أحداث تفجيرات كنيسة حلوان، والتي نفى خلالها تمامًا شبهة تورط أبناء منطقته في فعل كهذا، مركزا على أن الوحدة الوطنية في مصر عصية على الاختراق.

قرار الإعفاء

وفي مرحلة ما بعد “البابا شنودة الثالث”، وفي السنوات الأولى من فترة “البابا تواضروس الثاني” تراجع الحضور الإعلامي للأنبا بيسنتي، وتحديدًا منذ عام 2019، وهي الفترة التي تثاقل فيها المرض.

قضى القرار البابوي رقم 7/2022 بوقف التعامل مع الأنبا بيسنتي أسقف حلوان، والمعصرة إدرايًا، ماليًا، ورعويًا مع بداية عام 2023، على أن تقوم اللجنة المالية بالمشاركة مع الأب الوكيل بتصريف أمور الإيبارشية.

وتضمن القرار الذي اعتبره البعض فريدًا من نوعه في تاريخ الكنيسة القبطية، من ناحية إعفاء أسقف خلال حياته شأن ما تفعله الكنيسة الكاثوليكية، تفعيل لائحة المجمع المقدس، وبالأخص تعيين لجان الكنيسة على أن يتم الاستعانة من اللجان القديمة بتعيين استشارى للاستفادة من خبراتهم، وذلك طبقاً لتقرير اللجنة المالية إذا تراءت لها صفة الأمانة، والاستخدام الصحيح لأموال الكنيسة.

لكن الأنبا غبريال أسقف بني سويف فسر القرار البابوي بأنه يرجع إلى إصابة الأنبا بيسنتي بمرض ذهني يحول بينه وبين إدارة شئون الإيبارشية، لافتًا إلى أن القرار لم يصدر إلا بعد حدوث تجاوزات “إدارية” كثيرة-على حد قوله-.

وبعد عام من القرار، وفي الثالث من مارس الجاري أعلنت إيبارشية حلوان، والمعصرة نياحة- رحيل- الأنبا بيسنتي عن عمر ناهز 83 عامًا، بعد فترة مرض ليست بالقصيرة.

واعتبر قداسة البابا تواضروس الثاني “الأنبا بيسنتي” واحدًا من الأساقفة الذين خدموا الكنيسة بأمانة، وإخلاص.

وقال خلال صلاة تجنيز-جنازة- الأسقف: إن الأنبا بيسنتي خدم في أماكن عديدة بتكليفات من البطريرك الراحل البابا شنودة الثالث، وتحمل آلام المرض في سنواته الأخيرة بكثير من الرضا.

وأضاف خلال كلمته بصلاة تجنيز الأنبا بيسنتي –مساء أمس- بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية أن الأسقف الراحل كرس حياته بكاملها لخدمة الكنيسة.

التعليقات

موضوعات ذات صلة