25 مليون روح مطاردة بالمجاعة في السودان

"هي أحد أسوأ الكوابيس الإنسانية في التاريخ الحديث.. أرجوكم، لا تنسوا السودان، هذه رسالتي البسيطة التي أرغب في توجيهها لكم"؛ يقول مارتن غريفيث، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، محذرًا من مجاعة تحاوط ما يقدر 25 مليون سوداني بينهم 18 مليون طفل، يعانون جميعًا من انعدام الأمن الغذائي الحاد وسط واحدة من أكبر أزمات النزوح والحماية، مرشحة أن تحول إلى أكبر مجاعة في التاريخ الحديث.

السودان.. كيف بدأ كل هذا؟

بعد سنوات من المماطلة العسكرية في إنهاء عملية الانتقال الديمقراطي في السودان، وضعف القوى المدنية في فرض رؤية أفضل للبلاد، اندلعت الحرب في 15 أبريل 2023، باشتباكات بين القوات المسلحة التي يقودها عبد الفتاح البرهان والدعم السريع ويقودها محمد حمدان دقلو الملقب بحميدتي، الذي أتى به البشير لمواجهة تمرد دارفور في 2003، فأشعل السودان في 2023 (وهما الشريكان العسكريان في إدارة البلاد).

منذ ذلك الحين غرق الشعب السوداني في عمليات قتل وسرقة واغتصاب ونهب وحركة نزوح هي الأكبر في التاريخ الحديث داخليًا وفي البلاد المجاورة.

معارك الفر والكر بين الفريقين الآن وصلت إلى أم درمان (غربي مدينة الخرطوم بحري)، بعد ما يزيد عن 300 يوم من الحرب. هذه المدينة واحدة من ثلاث مدن تشكل العاصمة السودانية مع الخرطوم والخرطوم بحري، وفيها يتحصن الجيش في مقر السلاح الطبي على الضفة الغربية للنيل الأبيض على مقربة من ملتقى مقرن النيلين، وكذلك في سلاح المهندسين الذي يبعد عنه بنحو خمسة كيلومترات.

وقد سارع "الدعم السريع"، الذي يُعتقد أنه يتشكل من 200 ألف فرد، للسيطرة على مواقع وأحياء سكنية بين هذين المقرين بعد قليل من اندلاع شرارة الاشتباكات في أبريل. وسيطرت قوات حميدتي أيضًا على منطقة وادي سيدنا العسكرية في كرري في شمال أم درمان، ليحصل على نقطة ارتكاز مكنته يوميًا من إطلاق القذائف شمالًا نحو مواقع ارتكازات الجيش بمنطقة الثورة في كرري وجنوبًا نحو السلاح الطبي وسلاح المهندسين.

ماذا يعني التطور الأخير؟

وعجز الجيش عن الوصول إلى قواته في هذا المربع طوال الأشهر الـ10 الماضية، كما عجز "الدعم السريع" عن اقتحام أي منها على رغم نجاحه في قطع الإمداد العسكري للجنود داخلها.

بينما مؤخرًا، تمكن الجيش بعملياته في أم درمان من قطع "شريان إمداد حيويًا"، من خلال خطوات؛ أولها تعطيل جسر شمبات الذي يربط أم درمان بمدينة بحري ثم التقدم نحو منطقة أم درمان القديمة التي تشمل مقر الإذاعة والتلفزيون، من ثم قطع أي إمداد يصل لـ(الدعم السريع) من الحدود الغربية للمدينة ومنها إلى الخرطوم والخرطوم بحري.

أرقام عن الوضع الإنساني في السودان

في 15 فبراير الجاري، أعلن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية عددًا من الحقائق حول الوضع الإنساني في السودان مع تواصل الحرب الدامية غير المراقبة دوليًا، وقد شملت هذه الحقائق:

  • بلغ عدد النازحين 8 ملايين شخص، 6.1 مليون منهم نزحوا داخليًا، فيما لجأ 1.8 مليون إلى البلدان المجاورة.
  • واصل النزاع في السودان في تأجيج النزوح عبر الحدود والجمود القسري، وفقًا لمركز الهجرة المختلطة.
  • تتسارع احتياجات المساعدات الغذائية بسرعة، بسبب التمدد الأخير في القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في جنوب شرق البلاد، وفقًا لشبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة.
  • أفادت منظمة الصحة العالمية أن حوالي واحد من كل 11 مرفقًا صحيًا تديره الوكالات الإنسانية لا يعمل.
  • تدعو الأمم المتحدة إلى جمع 4.1 مليار دولار للمساعدة في درء المجاعة ومساعدة أولئك الذين فروا إلى الدول المجاورة.
  • جرى تمويل نداء خطة الاحتياجات الإنسانية والاستجابة للسودان لعام 2024 بنسبة 3.5% فقط، وذلك حتى 12 فبراير 2024.

السودان.. ما وصلنا إليه الآن

بالأمس، حذرت مسؤولة الاتصال في برنامج الأغذية العالمي والمتحدثة باسم البرنامج في السودان، ليني كينزلي، من عواقب ارتفاع وانتشار مستوى المجاعة في السودان، خاصة مع اقتراب موسم هطول الأمطار في شهر مايو من العام الجاري.

وأعلن "برنامج الأغذية العالمي" أن أجزاء كبيرة من السودان معرّضة الآن بشكل أكبر من السابق "لظروف جوع كارثية" من دون مساعدات غذائية إضافية، في حين تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن ما يقرب من 25 مليون شخص، أو أكثر من نصف سكان السودان البالغ 45 مليونًا، يحتاجون إلى المساعدة والحماية، 5 ملايين منهم في مستويات الطوارئ من الجوع.

وفي المؤتمر الصحفي نصف الأسبوعي، الذي عقد الثلاثاء الماضي في مكتب الأمم المتحدة في جنيف، أفاد بيتر جراف ممثل منظمة الصحة العالمية في السودان، إن هناك قلقًا من أن يؤدي موسم العجاف القادم إلى "مستويات كارثية من الجوع" في المناطق الأكثر تضررًا، مضيفًا أنه في دارفور وحدها. ومن المتوقع أن يعاني 200 ألف طفل من الجوع الذي يهدد حياتهم هذا العام.

كما تطرق "جراف" إلى تفشي الأمراض المعدية، حيث تم الإبلاغ عن أكثر من 10,000 حالة كوليرا، و5,000 حالة حصبة، وحوالي 8,000 حالة لحمى الضنك، وأكثر من 1.2 مليون حالة سريرية للملاريا.

وفاة طفل كل ساعتين

وكانت منظمة "أطباء بلا حدود" أفادت في بداية فبراير، بوفاة طفل واحد في الأقل كل ساعتين في مخيم زمزم في دارفور، حيث يعيش ما بين 300 ألف و500 ألف نازح.

وأكد ممثل منظمة الصحة العالمية أن ولاية الخرطوم وكامل ولايات إقليم دارفور، تعد من أكثر المناطق المهددة بمواجهة "هزات صحية". وتابع: "كل المؤشرات الصحية سيئة جدًا هناك، ويتوجب على الجهات الصحية تطعيم أكثر من 90 في المائة من الأطفال في الخرطوم ودارفور، لكن الوضع الحالي يشير إلى أن أقل من 30 في المائة فقط هم من تم تطعيمهم". وأضاف محذرًا: "هذا مؤشر غير جيد، وتوجد قابلية كبيرة للإصابة بالأوبئة المختلفة".

كما طالب ناشطون ومنظمات مجتمع مدني من الأمم المتحدة إعلان المجاعة في السودان، لأن أوضاع الأمن الغذائي وصلت مستويات كارثية.

وقال مركز فكرة للدراسات والتنمية في تقرير يتعلق بالأوضاع الإنسانية في السودان، إن إعلان المجاعة في أي بلد يقتضي تجاوز عدد الجوعى (20%) من السكان، وفي السودان تجاوزت غالبية المناطق هذه النسبة.

وحذر من تزايد الوفيات بسبب شح الطعام في العديد من المناطق بالسودان، وقال التقرير إن العجز في تمويل احتياجات المعونة الغذائية التي يحتاجها الوضع في السودان بلغ (75.9%).

إلى جانب تعرض حياة 20 ألف مرضعة وحامل إلى الخطورة الشديدة بسبب نقص الغذاء.

تأثر سلاسل الإمداد الإنساني في السودان

تسبب توسع رقعة الحرب إلى بعض الولايات في التأثير على انتظام سلاسل الإمداد، جراء تأثر الطرق بالوضع الأمني والعمليات الحربية. كما جرى تقليص المساعدات الدولية. ويشكو عاملون في منظمات الإغاثة من تراجع التمويل الدولي للأنشطة الإنسانية في السودان.

وتحدث المسؤول الأممي بيتر جراف عن استمرار انعدام الأمن والعقبات البيروقراطية التي تعيق وصول المساعدات الإنسانية. يقول: "يواجه شعب السودان وضع حياة أو موت بسبب استمرار العنف وانعدام الأمن ومحدودية الوصول إلى الخدمات والإمدادات الصحية الأساسية".

ويضيف أن المناطق الآمنة في السابق مثل "ود مدني" أصبحت صعبة الوصول الآن، وكذلك هو الوضع في المناطق الأكثر احتياجًا، مثل دارفور وكردفان، الأكثر انقطاعًا عن العالم الخارجي. "نحن على استعداد لتقديم الخدمات والإمدادات الصحية المنقذة للحياة. ولكن لتحقيق ذلك، نحتاج إلى الوصول الآمن ودون عوائق"؛ يقول "جراف".

ويؤكد المسؤول الأممي أن منظمة الصحة العالمية تعمل على توسيع نطاق عملها على الأرض، بما في ذلك من خلال العمليات التي يمكن إيصالها بشكل آمن ومن خلال العمليات عبر الحدود لتقديم الاستجابة لحالات الطوارئ الصحية، والاستجابة لتفشي الأمراض، واستدامة مراقبة الأمراض، وتوفير الإمدادات والمعدات الطبية المنقذة للحياة.

الخوف جرائم الحرب يوقف الإمدادات

يقول المحلل السياسي كمال محمد الطيب لـ"الترا سودان"، إن المنظمات الدولية لديها مخاوف من تعرض الإغاثة للنهب، خاصة مع صعود ظاهرة النهب في حرب السودان.

وأشار تقرير مركز فكرة للدراسات والتنمية إلى أن مخازن برنامج الأغذية العالمي في ولاية الجزيرة، والتي كانت تكفي لإطعام 1.5 مليون شخص، تعرضت للنهب بواسطة قوات الدعم السريع 28 ديسمبر 2023.

ويقول الدكتور خالد أصيل، المتحدث الرسمي باسم  قوى الحرية والتغيير، إن المنظمات المدنية تحتاج إلى ظروف ملائمة حتى تعمل في السودان، وأولها تأشيرات الدخول، ثم الأمن وأمور أخرى، حتى يصبح أداء المهام الإنسانية أمرًا ممكنًا.

حتى في حال إرسال مساعدات عن طريق الطيران، تظل ثمة عقبات كبرى، لأن المواصلات مضطربة، والوقود غير متوفر. وبالتالي، فإن إيصال العون إلى من يستحقونه يبدو أمرًا معقدًا.

وقال جيمس إلدر، المتحدث باسم "يونيسيف" في مؤتمر صحافي بجنيف: "تبعات آخر 300 يوم تفضي إلى ترجيح أن أكثر من 700 ألف طفل يعانون من أخطر صور سوء التغذية هذا العام.. لن تتمكن يونيسيف من علاج أكثر من 300 ألف من هؤلاء من دون تحسين إمكانية الوصول ومن دون دعم إضافي. وفي هذه الحالة، سيموت عشرات الآلاف على الأرجح".

وحذرت منظمة "سوليداريتيه إنترناشيونال"، الأربعاء الماضي، من أنه "إذا لم يتم فعل أي شيء، فإننا نتجه مباشرة نحو المجاعة". وقالت المديرة الإقليمية للمنظمة غير الحكومية جاستين موزيك بيكيمال: "ستكون هذه أكبر أزمة إنسانية شهدها السودان"، إحدى أفقر دول العالم.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة