القصة الأولى: في بلاد بعيدة، بدأ العام بسلسلة من الانهيارات المتتالية لقيمة العملة الوطنية حتى ضج الناس بالشكوى وتصاعدت أصوات الجوعى والخائفون من الجوع والفقر، وهنا قررت الحكومة أن تستجيب لمطالب الناس خوفًا من خسارة شعبيتها واجتمعت اجتماعًا طارئا لمعرفة ما الذي يمكنها عمله لإنقاذ الموقف.
وبعد الاجتماع مباشرة، بدا الخبراء في حالة من الارتياح لسماع الحكومة لنصائحهم وإعطائها الأوامر لرجالها المنتشرين في كل مكان بمطاردة كل من يعرقل تنفيذ خططها المحكمة. إلا أن الوضع – على عكس ما توقعه الخبراء – لم يتحسن، بل يبدو أنه ازداد سوءا مع ازدياد حدة الانتقادات التي يوجهها المواطنون للسياسات الحكومية، ليتسائل أحد الخبراء بينه وبين نفسه عن صحة ما قدمه للحكومة من نصائح، وإن لم يجرؤ أبدا على التصريح بشكوكه تلك خوفا من الاستبعاد من قوائم الخبراء الحكوميين وما تدره عليه من مبالغ طائلة.
القصة الثانية: في إحدى الشركات فوجئ العاملون بأن الزيادات السنوية المقررة مع بداية العام لم تكن كما وعدتهم إدارة الشركة، ولم تكن هذه المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك من نفس الإدارة فاجتمعوا مطالبين بحقوقهم ومهددين بالتوقف عن العمل حتى الحصول عليها، فلم يكن من الإدارة إلا أنها قامت بالاستغاثة بصاحب الشركة العضو البارز في أحد المجالس النيابية ليقوم بدوره بالاتصال ببعض أصدقائه في أحد أجهزة السلطة، لتقوم الأخيرة بدورها بالقبض على بعض العمال وتهديد الباقي بالحبس لقبول ما يقرره صاحب العمل رغم أن المرتبات نفسها أقل من الحد الأدنى التي أعلنت عنه الحكومة من قبل. وقد وافق العمال في تلك المرة على العودة للعمل مجبرين مطأطئي الرءوس تحت تهديد الفصل والتشريد وخوفًا على مستقبل زملائهم وأسرهم التي كادوا يتركونها بدون عائل.
ولكن عندما بدأت سلسلة انهيارات العملة التي تحدثنا عنها في قصتنا الأولى فوجئ العمال بقرارات الحكومة بزيادة مرتبات العاملين بها دون أن تشملهم تلك القرارات، فلم يجدوا مفرا هذه المرة من التجمع مرة أخرى للمطالبة بأن تتم رفع أجورهم بالمساواة بالعاملين في الحكومة. وعندما قام صاحب الشركة بالاتصال بأصدقائه في الأجهزة الأمنية أخبروه أن عليه هذه المرة التفاهم مع العمال لأن الوضع العام لم يعد يسمح بالاستفزاز، بل إن عليه أن يستجيب لكل ما يطلبونه لكى لا يتحول تجمعهم لدافع للمزيد من التجمعات العمالية في أماكن وشركات أخرى. وهنا أسقط في يد صاحب الشركة الذي بات مضطرا فجأة لرفع أجور العمال وتقديم التنازلات لصالحهم في وقت لم يكن فيه مستعدا لذلك، ولا ندرى تحديدا إلى ماذا انتهى الحال به.
القصة الثالثة: في شركة أخرى قام العمال بتنظيم أنفسهم وانتخبوا مجلس لإدارة النقابة التي تدافع عن مصالحهم، كما تواصلوا مع زملائهم في الفروع الأخرى من الشركة ليتضامنوا سويا في المطالبة بتحسين بعض ظروف العمل، ولأن هذه الشركة فرع من شركة أكبر عابرة للجنسيات فقد كانت إدارتها منفتحة على أن تكون بها لجنة نقابية قوية يمكنها أن تستمع لمطالب العمال وأن تتفاوض مع الإدارة عليها بشكل مستمر لضمان تحسين ظروف العمل وبالتالي رفع مستوى الإنتاجية والتنافسية. ومن المعلوم للجميع أن الأجور في مثل هذه الشركة تكون عادة أفضل من الأجور في مثيلاتها المحلية مما يجعلها أكثر جاذبية للأشخاص اذوي الكفاءة والأكثر إبداعا.
ولكن مما لا يعترف به معظم أصحاب الأعمال أن أحد أهم أسباب ارتفاع جاذبية مثل هذه الشركات، هو أن بجانب اللوائح والقوانين التي تحمي حقوق العاملين الأساسية، تحكم العمل فيها أيضا المفاوضات المستمرة بين نقابات العاملين والإدارات بشكل يضمن أن يظل صوت العمال مسموع وأن تظل سياسات الشركة الداخلية متجاوبة معهم.
الدرس المستفاد: نفس الحال مع الحكومات، فعندما تتواجد التنظيمات المجتمعية بأشكالها المختلفة مثل الأحزاب والنقابات والتعاونيات وغيرها بشكل حر وطبيعي وتتعاون مع المؤسسات والهيئات الرسمية في وضع القوانين وتوجيه السياسيات نجد أن السياسات العامة تخرج معبرة عن مطالب عموم الناس مما يؤدي للتطور التدريجي للمجتمع وتوسيع مساحات الاستقرار لمواطنيه مثلما كان الحال في القصة الثالثة. بينما يكون غياب تلك التنظيمات وتقييدها سببا مباشرا في انقطاع التواصل بين الجمهور والحكومة، فنجد المشهد الذي سردناه في القصتين الأولى والثانية، حيث تتخذ الحكومة قراراتها بناء على توجهات فوقية لا علاقة لها بالجماهير التي تحكمها فتكون النتيجة المزيد والمزيد من التدهور والارتباك والمزيد والمزيد من إدعاء النجاح والتقدم.
ولكل ذلك نقول أنه لا بديل عن عودة الحرية للتنظيمات المجتمعية، وفي مقدمتها النقابات العمالية، لكى تؤدي دورها كوسيط حقيقي للتفاوض بين العمال – وهم الغالبية العظمى من السكان – ومن يديرون شئون حياتهم بدعوى أنهم خبراء ومديرين.



التعليقات