منذ أطلقت إسرائيل، عمليتها الانتقامية "السيوف الحديدية"، شرع ناصحون يُحذرونها من مغبةِ التدحرج، إلى هاويةِ الحرب البرية، في قطاع غزة، لكن هذه النصائح لم تجد صدىً، لدى الحكومةِ اليمينية، وفي تأويل ذلك تتعدّدُ الأسباب وتتشابك.
وبالطبع.. لم تنبثق النصائحُ، من حرصٍ على الاعتباراتِ الإنسانية، ولم تأتِ من بابِ الرحمة بالشعب الفلسطيني، ولم تراعِ انهيار مقومات الحياةِ في قطاع غزة، ولم تحسب حسابًا لنقص الوقود والغذاء والدواء، ولم ترَ من قبلُ ومن بعدُ، أن جرائمَ الحربِ الإسرائيلية، فوق طاقةِ الضمير الإنساني، وستُشكِّل عبئًا أخلاقيًا، على الأنظمة السياسية الداعمة للاحتلال.
بل كانت تستند إلى مخاوف على إسرائيل ذاتها، فالإقدام على غزوٍ بري واسع النطاق، سيسوق جيشها إلى "متاهة أنفاق غزة"، وفق تعبير الكاتب الأمريكي، "توماس فريدمان"، الذي كتب على صفحات "نيويورك تايمز" قبيل انطلاق العمليات البرية: "أرجوكم أيها الإسرائيليون لا تضيعوا في تلك الأنفاق".
أهمية تحذيرات "فريدمان"، تُستمد من كونه ذا علاقات متينة، بصنّاع القرار السياسي والعسكري، في الولايات المتحدة وإسرائيل على السواء، ومن ثم إطلاعه بالضرورة على خبايا وأسرار، قد لا تكون متاحةً لغيره، كما تكمن في أنها تُعبّر عن تقهقرٍ جذري، في مواقفه المتشددة في بداية العدوان، إذ كان ارتأى أن إسرائيل ستفعل بالغزيِّين، مثلما فعل الرئيسُ الأسد الأب، بالسوريين عام 1982 في مجزرة حماة.
ومن نافلة القول إن المقارنة بين جيش احتلالٍ عنصري، ونظامِ حكمٍ عربي، شديدةُ الإيلام، ومن نكد الدنيا أن يهدّد كاتبٌ "صهيوني الهوى" عربًا، بأن عدوهم المحتل سينكّلُ بهم، فيقترف من الجرائم، قدرَ ما اقترف نظام، يقال إنه وطني، ضد شعبه.
لكن، بعيدًا عن مرارةِ المفارقة، وفظاظةِ دلالاتها، وبعيدًا عن أن جرائم الاحتلال فاقت مجزرة حماة وحشيةً، يبقى التقهقرُ الواضح، عن نبرة الوعيد والتهديد، مؤشرًا ذا مغزى.
نتنياهو ينفخ في النيران
على أن الاستجابة للنصح، سواءً كان من "فريدمان" أو غيره، لم تكن ممكنة، بالنسبة إلى الحكومة اليمينية، وذلك لعاملين؛ أولهما يتصل برغبة رئيسها "بنيامين نتنياهو" الذاتية، في إذكاء النيران لأطول أمد ممكن، كونه يوقن أن تاريخه السياسي، مرتهنٌ بإطلاقِ آخر رصاصة، وكأنه إزاء ساعةٍ رملية، متى ينحدر الرملُ من أعلاها إلى أسفلها، صار حتميًا أن يُرمى في قعر المزابل.
العامل الثاني يتصل بالحاجة الملحة، لاستعادةِ هيبة الجيش الإسرائيلي، أمام العالم، وأمام المستوطنين كذلك، بعد أن مرَّغت المقاومةُ، رغم قلةِ العدد والعتاد، أنفه في ترابِ الأرض المحتلة، وكان حتميًا في سبيل ذلك، أن تضع تل أبيب هدفًا سياسيًا كبيرًا للحرب، ومن ثم كان القضاءُ على حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، وهو هدفٌ أكد وما يزال يؤكد خبراءٌ عسكريون، وباحثون استراتيجيون، ومنهم إسرائيليون، صعوبةَ أو استحالة تحقيقه.
وهكذا يمضي العدوان على غزة، في جانب منه، استجابةً لغاية في نفس "نتنياهو"، وفي جانب آخر، سعيًا إلى هدف سياسي مستحيل، فإذا به يبدو حركةً بالقصور الذاتي، كجلمود صخرٍ حطَّهُ السيلُ من علٍ، كما يقول شاعرنا الجاهلي امرؤ القيس.
وإذا كان القضاء على "حماس" هدفًا مستحيلًا، واستمرار الحرب إلى ما لا نهاية مستحيلٌ، فإن التكهن بالسيناريوهات المستقبلية، مستحيلٌ كذلك، لكن مهما تكن التكهنات ملتبسة، والتوقعات مُستغلقة، تظل الحقيقة الواضحة أن إسرائيل قد دخلت متاهة، كما توّقع "فريدمان".
الجيش غير مؤهل
وفي تصريحات له قبيل الغزو، ارتأى الجنرال الإسرائيلي المتقاعد "إسحاق بريك" أن العملية البرية، ستكون مغامرة خطيرة، والأفضل للجيش ألا ينجرف إليها.
العسكري المخضرم، الذي تربطه صداقة متينة برئيس الحكومة، كشف أيضًا لصحيفة "معاريف" العبرية، عن أنه قال لصاحبه وهو يحاوره، إن جنود الاحتياط الواقفين في صف المواجهة الأول، ليسوا على كفاءة قتالية عالية، فقرار استدعائهم كان أهوج وعشوائيًا.. الأهم من ذلك أن "بريك" الذي كان أدلى بتصريحاته بعد لقاء مع "صديقه" الذي يفترض أنه "فضفض له" كما يحدث عادةً بين الأصدقاء، كشف عن أن "نتنياهو"، يشاطره القلق إزاء جاهزية القوات.
اقرأ أيضًا: تهافت أساطير دولة إسرائيل
إلى جوار عدم جاهزية الجيش، وأزمة الثقة التي يضمرها السياسي إزاءه، هناك شرخ عميق في الجبهة السياسية ذاتها، فالعلاقة بين المعارضة اليسارية، والائتلاف الحاكم، انتقلت من طور الخلاف إلى العداء، بعد تمرير قانون الإجراءات القضائية، قبيل الحرب ببضعة أسابيع، وكلاهما يتربص بالآخر الدوائر، ويتحين الفرصة للإجهاز عليه.
طوفان سياسي موازٍ
وكان زعيم المعارضة "يائير لابيد" استغل تصريحات لـ"نتنياهو" انتقدت فشل الأجهزة الاستخباراتية، في التنبؤ بعملية طوفان الأقصى، فأخذ يدق الأسافين بين رئيس الحكومة والجيش، واصفًا الأول بأنه غير جدير بمنصبه، ويجب أن يرحل، إذ ليس مستساغًا أن ينتقد أجهزته الأمنية، في حين تخوض حربًا وجودية.
إذن.. إن الجبهة الداخلية مهترئة، تمزقها الصراعات، ولا يثق مكوّنها السياسي في مكوّنها العسكري، ولا يثق العسكري في السياسي، ولا يثق السياسي في السياسي.
هل واردٌ والحال كذلك أن يتحقق هدف عريض كالقضاء على "حماس"؟
قولًا واحدًا، إن جيشًا يكابد هزيمة نفسية، ويحكمه نظام مأزوم سياسيًا، لا يمكنه تحقيق هذا الهدف، ذلك بغض النظر عن المعوقات العسكرية الناشئة، عن طبيعة حرب العصابات، في حاضنة اجتماعية مؤيدة.
لقد كان إطلاق القضاء على "حماس" هدفًا للحرب، محض َمحاولةٍ من حكومة "نتنياهو"، لمناغاة نوازع الحقد المتطرف، لدى قاعدتها الشعبية اليمينية، وكانت تصريحات القوم بهذا الشأن، كمن "رمى يمين طلاق" ثم ندم بعد فوات الأوان.
كما إن القضاء على "حماس"، لو أُتيح، لن يحرز لإسرائيل نصرًا، بل سيضعها أمام مخاطر أشد إلحاحًا، كما يقول الجنرال ديفيد بتريوس، رئيس وكالة الاستخبارات الأمريكية الأسبق "سي آي ايه"، الذي يرى أيضًا أن استمرارية الحرب، قد تختلق أزماتٍ لا طاقة لأحد بتحملها.
الجنرال الذي قاد قوات الاحتلال الأمريكية للعراق، بعد إسقاط نظام صدام حسين، يؤكد أن غياب "حماس" سيُفرّغ الساحة من مكوّنٍ ذي ثقل، وله أرضية واسعة من التأييد الشعبي، ومنطقيٌّ أن تتوفّر عندئذٍ المساحة لتنظيمات أشد خشونة، على غرار السيناريو العراقي، حيث صعد تنظيم الدولة "داعش" على أنقاض نظام البعث.
إن الفراغ ليس ممكنًا للأبد، في عالمي السياسة والاجتماع، ومعلوم بالضرورة أن الإرهاب لا ينجب إلا إرهابًا، والجرائم الإسرائيلية، بما فيها من بربرية، قد تسفر عن ميل شعبي، إلى تأييد أي فصيل أو جماعة أو تنظيم، مهما يكن متطرفًا، ما دام يشهر أسلحته في وجوه الجلادين.
وتتزايد خطورة تصريحات الجنرال الأمريكي، بالنظر إلى أن وجود "داعش" أو أي تنظيم يماثله فلسفةً ومنهجًا، لن يلقي بظلاله القاتمة، على إسرائيل وحدها، بل سيشكل شرًا مستطيرًا على نطاق إقليمي، إذ لا عوائق حقيقية، تمنع تواصله من غزة، مع "فلول الدواعش" في سيناء المتاخمة، وإذا كانت لهؤلاء ثارات مع الاحتلال، فإن أولئك يضمرون الضغينة للجيش المصري، جرّاءَ دحرهم في شبه جزيرة سيناء، وهكذا قد تتبعثر الأوراق بعثرةً كُليّة.
نار حماس أرحم من جنة داعش
بمعنى آخر، إن وجود "حماس" في المعادلة الإقليمية، حتى لكارهيها، يظل أقل وطأةً من اختفائها، والمؤكد أن الأنظمة العربية التي تناهض حركة المقاومة، من منطلق الخصومة مع جماعة الإخوان المسلمين، لا تريد "داعش" بديلًا، ومن ثم فإن البرجماتية على الأقل، تقتضي التوقف عما تتواطأ عليه في الغرف المغلقة، مع الإسرائيليين والأمريكيين بشأن كسر شوكة "حماس"، ذلك أن الوريث المحتمل ليس أيسر معشرًا، وليس ألين جانبًا.
إن إسرائيل تبدو بعد طوفان الأقصى، كمن يتخبَّطُهُ الجن، إذ تمضي في الحرب، من دون وعي بطبيعة أهدافها النهائية، ولا بالترتيبات لما بعدها، ويتبدى ذلك واضحًا في تصريحات "نتنياهو" مؤخرًا، بأن حكومته لن تسمح بوجود "حماس" أو حتى "فتح"، بعد أن تضع الحرب أوزارها، إلى حد استخدامه لفظتي "فتحستان" و"حماسستان" لشيطنة الطرفين، ولعل معنى ذلك أنه يرغب في سلطة عميلة كليًا، بحيث تؤدي دور الشرطي الإسرائيلي في غزة، وهذه طبخة لن يستسيغها المزاج "الثوري المقاوم" في القطاع.
هكذا تبدو جميع الأهداف الإسرائيلية مستحيلة، وتغدو مسارات الحرب ملتبسة ومرعبة، والاحتمالات كلها تفضي إلى حقيقة أن إسرائيل تنفخ في النيران، من دون أن تعلم كيف ومتى تطفئها، والخوف كل الخوف، أن تستعر ألسنة اللهب، فتشوي المنطقة بأسرها.