لا تجد الحكومة المصرية بابًا لائقًا للهروب من التزاماتها الدولية أكثر من باب الشريعة الإسلامية التي تتحفظ به على كل ما لا تريد إقراره بإرادة سياسية لا علاقة لها بالدين في شيء.
وقعت مصر على اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) عام 1980، وصدقت عليها مع تحفظها على بعض المواد عام 1981، لتصبح بموجب الدستور مثلها مثل كافة القوانين الوطنية واجبة التطبيق.
وتتحفظ مصر على نص المادة "16" من الاتفاقية والتي تتعلق بمساواة الرجل والمرأة في كافة الأمور المتعلقة بالزواج والطلاق والعلاقات الأسرية بينهما، ويبرر هذا التحفظ الذي أبدته الحكومة المصرية عدم تطبيق نص المادة نظرا لما تكفله الشريعة الإسلامية من توازن في الحقوق بين الرجل والمرأة فيما يتعلق بشؤون الزواج واعتبرت أن الالتزام بما نصت عليه المادة هو من المظاهر الشكلية التي لا تحقق للمرأة مصلحة نافعة من الزواج بقدر ما قد تثقل كاهلها بالقيود! في الحقيقة أن نص هذا التحفظ الذي أبدته الحكومة المصرية في تقريرها هو تمييز غير إيجابي للمرأة في حد ذاته، بل إنه قد يصل بالصياغة إلى حد الإهانة.
اقرأ أيضًا:نحو عهد مستقل.. اتحاد تضامن النقابات العمالية في طريقه للبزوغ
إذا رجعنا بالزمن قليلًا إلى الوراء نجد أنه طالما وُجدت الإرادة السياسية لحل الأمور المتعلقة بالأحوال الشخصية في بلادنا، وجدت القيادة الدينية – سبحان الله – حلًا سائغا في الشريعة الإسلامية يمكن العمل به وتطبيقه دون غضاضة، فالمحاكم التي كانت ممتلئة عن أخرها بقضايا الطلاق غير قابلة للحل ويُرفض عدد كبير منها لعدم وجود مسوغ شرعي لصدور حكم بطلاق المرأة من زوجها، أصبحت في بداية الألفية الجديدة طي النسيان مع تعديل قانون الأحوال الشخصية عام 2001 ووجد القضاة الشرعيون ورجال الدين واقعة شاذة في الفقه الإسلامي تستطيع فيها الزوجة خلع نفسها من علاقة الزوجية مقابل تنازلها عن كافة الحقوق المالية الواجبة لها بعقد الزواج.
فإذا كان في واقعة وحيدة واستثنائية – حسب قواعد الشريعة الإسلامية – الحل لمشكلة أن تبقى المرأة في علاقة لا تطيقها وتثقل كاهلها فعليًا لا شكليًا بأعباء اجتماعية ونفسية جمة، فلماذا لا يتم تطبيق ذلك على بقية البنود، وإذا كانت المسألة في ظاهرها من وجهة نظر الشرع "مسألة مادية"، فلماذا لا تتساوى الحقوق المادية بين الزوجين عند الزواج وكذلك عند الطلاق وننتهي من كل هذه المشاكل.
لكن السؤال الأهم من وجهة نظري، هو لماذا تضع الدولة المصرية نفسها وسط هذه المعضلة الدائمة بين ما قد تقرره الشريعة وما قد لا تقرره؟ ألم يحن الوقت أن تكون القوانين الوضعية على مسافة واحدة من كافة المسائل الشرعية عند مختلف الأديان؟، أن يكون للدولة بإرادتها السياسية قواعد تلتزم فيها بتطبيق المعايير الدولية والإنسانية على الكافة دون تمييز مع السماح للمتدينين بتطبيق شريعتهم إذا أرادوا!
ففي مسألة الزواج والطلاق مثلا، يحق للرجل المصري أن يتمم عقد الزواج بموافقة صريحة للمرأة التي يريد الزواج منها، وهو من المفترض "قانونًا" عقد مثل بقية العقود قام على عرض وإيجاب وقبول بين طرفين متساويين في الحقوق والواجبات، إلا أنه بعد إصباغ الصبغة الدينية المقدسة عليه يصبح عقد يمكن لأحد طرفيه إنهاءه بالإرادة المنفردة – وهو في هذه الحالة الرجل – دون أي تدخل أو موافقة من الطرف الآخر – وهو في هذه الحالة المرأة، إذن، ما الحل؟! أقترح على رجال الدين تعميم استثناء آخر – ونعتبره خلع يا أخي – وهو حق العصمة، أي تفويض من الزوج بأن تطلق المرأة نفسها لا ينص عليه في قوانينا، فلماذا لا نعممه؟.
أما بخصوص الثروة المشتركة – فلله الحمد – أطل علينا منذ مدة قصيرة شيخ الأزهر بفتوى الكد والسعاية استنادا إلى واقعة وحيدة أيضًا في تراث الفقه الإسلامي، لم يتكلم عنها رجال الدين من قبل ولم يظهروها، ولم يروا أو يفتوا من قبل أن للمرأة التي تبني الأسرة جنبًا إلى جنب مع زوجها، وتسعى في تنمية ثروتهم المادية حق متساوي في هذه الثروة، وهكذا من شأن هذه التطورات أن تحث السلطة التشريعية والتنفيذية على تغيير جديد وضروري لقوانين الأحوال الشخصية، وتحقيق التزام مصر الدولي تجاه اتفاقية السيداو الدولية، وإزالة تحفظها فيما يتعلق ببنود المادة "16" على الأقل.