يدرس البنك المركزي إصدار عملة رقمية جديدة، بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، في خطوة تم تفسيرها رسميًا على دعم الشمول المالي. لكنها مرتبطة في المقام الأول بتقليل عبء التعامل بالعملة الورقية وتخزينها وتعقيداتها.
ارتفعت تكلفة طباعة العملات الورقية بشكل كبير، فإصدار النقود في مصر تكلف 11.38% من الناتج المحلي الإجمالي في يناير 2023 مقابل 11.29% في ديسمبر 2022، مقارنة بـ11.19% في نوفمبر 2021.

ومع هبوط قيمة الجنيه زادت تكلفة طباعة جميع الإصدارات من العملات، التي تعتمد على مكونات من القطن والكتان، مع أحبار متغيرة بصريًا (OVIs) عالية الدقة، تتكون من طبقات متعددة من الصبغات اللونية، تُعرف بطباعة الإنتاليو (الطباعة من سطح غائر)، بملمس وشكل فريد يحول دون تقليدها.

طرح البنك المركزي نقودًا بلاستيكية من فئتي 10 و20 جنيهًا لمواجهة مشكلة سوء تعامل المصريين من العملة. لكن رغم مزاياها العالمية من العمر الطويل لم تسلم أيضًا من التهالك والتقادم، ما يجعل النقود الرقمية الحل الأمثل.
اقرأ أيضًا.. السوق السوداء تُجبر “المركزي” على تخفيف ضوابط بطاقات الائتمان
يقول الدكتور أشرف غراب، نائب رئيس الاتحاد العربي للتنمية الاجتماعية بجامعة الدول العربية: "الجنيه الرقمي يقلل من تكاليف طباعة النقود الورقية والنقل والتوزيع، ويمنع نقل الأمراض ويقلل الأضرار والتأثيرات السلبية على البيئة ويصعب تزييفه وتزويره.
ما هو الجنيه الرقمي؟
لا يزيد الجنيه الرقمي عن كونه وسيلة إلكترونية تعادل العملة الورقية، بنفس القيمة والتسلسل، ويرتبط استخدامه بأجهزة الموبايل في عمليات التحويلات والتجارة وتبادل الأموال بين الأفراد والمؤسسات، وهي أنشطة شهدت نموًا كبيرًا في الفترة الأخيرة بمصر.
بحسب إحصائيات حديثة للبنك المركزي، وصل "فكر تاني" إلى نسخة منها، قفز عدد المواطنين الذين لديهم لحساب معاملات مالية إلى نحو 44.6 مليون، سواء حسابات البنوك والبريد بأنواعها ومحافظ الهاتف المحمول والبطاقات مسبقة الدفع.

وأعلن البنك المركزي عن ارتفاع محافظ الهاتف المحمول بالسوق المصرية إلى 34.4 مليون محفظة مقابل 19.8 مليون محفظة بنهاية الشهر ذاته من عام 2023، وذلك بنسبة نمو 74%. كما ارتفعت البطاقات مسبقة الدفع إلى 30.3 مليون مقابل 21.9 مليون في الفترة المقارنة ذاتها بنسبة نمو 38%.
ومع نمو المجتمع اللانقدي، تبرز مببرات الاعتماد على الجنيه الرقمي في منظومة الدفع الإلكتروني في التحويلات بين الأفراد والشركات والدفع الإلكتروني. إذ يمكن تداوله بين المحافظ الموجودة على الهاتف، والكارت الذي يتم به الدفع الإلكتروني للجهات الحكومية والمؤسسات.
وتتوقـع الدراسـات العالميـة أن تتجـاوز المدفوعـات الرقميـة العالميـة حاجز التريليون معاملة بنهاية العام الحالي بواقع 110 معاملات كل فرد سنويًا، بعدما سجلت 5.2 تريليون دولار في 2020.
يقول غراب: "الجنيه الرقمي عبارة عن عملة رسمية مدعومة من البنك المركزي على الأجهزة الإلكترونية، واستخدامه سيكون في العمليات الإلكترونية كالشراء عبر شبكة الإنترنت ودفع الفواتير والتجارة الإلكترونية، وتحويل الأموال وغيرها. بينما استخدامه يتطلب أن يكون الشخص لديه حساب في أحد البنوك المصرية".
الجنيه الرقمي.. عملة رسمية غير مشفرة
مع كشف البنك المركزي عن دراسته إصدار عملة رقمية تم الخلط بينه وبين العملات المشفرة مثل "البيتكوين"، والاختلاف بينهما كبير؛ فالجنيه الرقمي يخضع لإشراف البنك المركزي ويتم التعامل به رسميًا، بشكل شبيه بمحافظ الموبايل مع الحاجة لوجود حساب بنكي للتعامل به على عكس العملة المشفرة.

ويرى "غراب"، في حديثه لـ"فكر تاني"، أن إصدار الجنيه الرقمي يمنع تداول العملات المشفرة ذات المخاطر الكبيرة، والتي تكون دومًا غير ذات قيمة حقيقية، بينما العملة الرقمية المزمع إصدارها تتسم بالأمان ويصعب تزويرها ولها غطاء في البنك المركزي وستعمل على تحسين الكفاءة المالية وتقليل التعامل بالعملات الورقية، بما يسهم في زيادة عدد العملاء المتعاملين بالبنوك.
وحذر البنك المركزي مرارًا من التعامل بجميع أنواع العملات الافتراضية المشفرة سواء مع الأفراد أو الشركات أو التطبيقات والمنصات الإلكترونية، مؤكدًا أنه لم يصدر تراخيص لأي من هذه الأنشطة بالعمل بالسوق المصري، نظرًا لما تكتنفه من مخاطر عالية منها تذبذب قيمتها واستخدامها في الجرائم المالية والقرصنة الإلكترونية.
اقرأ أيضًا.. وقف بطاقات الخصم المباشر.. شركات تهدد بالهروب ومصرفيون يحذرون من تفاقم الأزمة
وكشف مسؤول بالبنك المركزي -طلب عدم ذكر اسمه- مزايا العملة الرقمية. فقال في حديثه لـ"فكر تاني": "هذه عملة توفر الأمان والشفافية في المعاملات المالية، بإمكانية تتبع كل عملية بشكل رقمي وتوفير الخدمات المالية للفئات غير المشمولة بنكيًا في المناطق الآمنة، وهي أحد تطورات شبكة المدفوعات اللحظية التي تم تدشينها في مارس 2022".
العملة الرقمية الحكومية "ليست اختراع"
شبكة المدفوعات اللحظية منظومة وطنية تربط جميع البنوك العاملة داخل مصر ببنية تحتية رقمية واحدة من خلال تطبيق "إنستا باي" على الموبايل، والذي يربط بين الحسابات لدى البنوك المختلفة ويتيح التحويل اللحظي بينها وبين بعضها في لحظات معدودة.
وتقدمت 6 بنوك عاملة في السوق المصرية للحصول على رخصة تأسيس بنك رقمي، بينها بنكا "الأهلي المصري"، و"مصر" الحكوميان، و3 بنوك خليجية هي: قطر الوطني الأهلي والمؤسسة العربية المصرفية والإمارات دبي الوطني، وبنك فيصل الإسلامي المصري.

يضيف المسؤول بالمركزي أن العملات الرقمية الآن توجه عالمي، فهناك 100 عملة رقمية صادرة عن بنوك مركزية تشهد حاليًا مرحلة البحث أو التطوير، بالإضافة إلى عملتين صدرتا بشكل رسمي، هما عملة نيمارا بنيجيريا التي أصدرت بأكتوبر 2021، و"ساند دولار" في جزر البهاما، التي ظهرت لأول مرة في 2020.
والعملات المشفرة نشأت أساسًا للتحرر مع سيطرة البنك المركزي أو الحكومات على في عام 2009، بعد أسوأ أزمة مالية في التاريخ الحديث في عام 2008، على عكس العملات الرقمية التي تسيطر عليها وتديرها البنوك المركزية.
هل مصر مؤهلة لهذه الآلية؟
لكن خبراء يرون أن العملة الرقمية تحتاج لبعض المتطلبات كتطوير البنية التحتية الرقمية المناسبة لدعم استخدام الجنيه الرقمي، بما في ذلك توفير الاتصالات السلكية واللاسلكية والأنظمة المالية الرقمية، وإجراء اختبارات وتجارب للتأكد من فعالية وسلامة الجنيه الرقمي قبل إطلاقه على نطاق واسع.
وبحسب مسؤول المركزي، فإن البنية التحتية التكنولوجية بمصر باتت مؤهلة في ظل منظومة الرقمنة الحكومية التي تم تدشينها في يوليو 2022، وتتيح 120 خدمة والمستهدف 523 خدمة بنهاية عام 2023، بالإضافة لتوسع الدولة بمجال المدفوعات الرقمية، من خلال المحافظ الإلكترونية والرقمية.
ويشير مؤشر "سبيد تست" العالمي لمقاييس أداء الاتصال بالإنترنت، أن مصر تحتل المركز الأول إفريقيًا في سرعة الإنترنت الثابت، خلال شهر أكتوبر 2023 بأداء 61.22 ميجابايت في الثانية.
لابد من توافر بنية تحتية معقولة

ويقول د. هاني أبو الفتوح، رئيس شركة الراية للاستشارات المالية، إن هناك العديد من العوامل التي تؤثر على جاهزية البنية التحتية للتعامل بالجنيه الرقمي، منها الانتشار السكاني لخدمات الإنترنت والهواتف الذكية، فكلما زاد الانتشار السكاني لهذه الخدمات، زادت إمكانية وصول المواطنين إلى الجنيه الرقمي.
ويضيف أن البنية التحتية للدفع الإلكتروني من العوامل المهمة الأخرى التي تؤثر على جاهزية البنية التحتية للتعامل بالجنيه الرقمي. فكلما كانت البنية التحتية للدفع الإلكتروني أكثر تطورًا، زادت إمكانية استخدام الجنيه الرقمي في المعاملات المالية.
وهو يرى أن البنية التحتية بمصر مؤهلة وإن كانت "نسبيًا" للتعامل بالجنيه الرقمي؛ فنسبة انتشار الإنترنت تبلغ حوالي 72.2% ونسبة انتشار الهواتف الذكية 93%، بينما تملك نظام دفع إلكتروني متطور، فحوالي 70% من المعاملات المالية تتم إلكترونيًا، والمعاملات المالية الإلكترونية زادت العام الماضي إلى حوالي 840 مليار جنيه.