الانتقام بالانتحار.. كيف يدفعنا أشخاص لوضع حد لمعاناتنا منهم؟

دائمًا وفي كل زمان ومكان كان الموت –ولا يزال- متربعًا على عرش أقسى التجارب التي قد نمر بها على الإطلاق، فهو ليس خطأ يمكن إصلاحه أو مرض نأمل الشفاء منه أو قرار يمكن الرجعة فيه، بل هو الحقيقة المطلقة المؤلمة التي لا يمكن إنكارها.

في الدقيقة الأولى يتحرك الجسد، وفي الدقيقة الثانية تصعد الروح ويهمد الجسد.. هكذا ببساطة، تاركة ورائها نحيب وبكاء وذهول وصدمة، وفي بعض الأحيان تأمل ووقفة مع النفس.. وفي بعض آخر ندم.

هذه المشاعر الإنسانية الجياشة تختلف وتتباين بشكل عجيب باختلاف طريقة الموت، فإذا كان قضاء وقدر فحلال كل ما سلف ذكره، أما إذا كان الموت انتحار، فلتذهب الإنسانية إلى الجحيم مع هذا الكافر المنتحر -قبل أن توجه إلينا أصابع الاتهام في موته!-.

عجيب هو الإنسان.. كيف يدعي القوة ويخاف من ظله!، يخاف أن يحمل لوم نفسه إذا كان سببا في موت إنسان آخر، والأسهل من ذلك أن يحمّل الميت هذا الحمل الثقيل، فيتهمه بضعف الإيمان والكفر وعدم الثقة في الله، يوصمه بالجنون وبالأمراض النفسية حتى يمكنه النوم في راحة ضمير، ولكن ومهما قالوا وفعلوا، مهما استندوا إلى آيات أو استشهدوا بالأصدقاء أوالجيران، تظل حقيقة أنهم دفعوا شخصًا ما لأن ينهي حياته بسببهم، قائمة، ويظل إحساسهم عميقا داخل أنفسهم أنهم قتلة، حقيقة.

مرض الاكتئاب وتبعاته -التي تتفاقم عند تركها إهمالًا أو استخفافًا- واحد من أبرز أسباب الانتحار الأكثر شيوعًا على مستوى العالم، لكنه ليس ما سأتحدث عنه اليوم، فالاكتئاب على الأقل هو مرض معترف به ويؤثر على الدماغ، ولكني اليوم سأتكلم عن القتل غير المباشر، عندما يُدفع المرء دفعًا لأن يضع حدًا لمعاناته وينهي حياته ويقتل نفسه لمجرد تلقين غيره درسًا. الجريمة الكاملة بلا بصمات ودون علامة إنذار واحدة.

“بيك” جندية بريطانية تبلغ من العمر ١٩ عامًا، تعشق عملها في الجيش، مشهود لها بالذكاء والجمال، ومجتازة لكل الاختبارات العقلية والنفسية، كانت تتعرض للتحرش من قبل رئيسها في العمل وهو رتبة عليا في الجيش، حاولت الفتاة إيقافه عند حده، قدمت شكوى لم يُلتفت إليها، أخبرت أهلها بالأمر لكنهم لم يبذلوا أقصى ما في وسعهم لإنقاذ ابنتهم، ولكن مع قلة حيلتهم كانوا يراهنون على صلابتها تجاه أمر مثل ذلك، وللأسف فوجئ الجميع في أوائل أكتوبر الجاري من إقدامها على الانتحار في معسكر التدريب، لتضع حدًا لكل معاناتها وخيباتها.. ولتلقن الجميع درسًا قاسيًا.

ما الذي يجعل شخصًا عاقلًا واعيًا مشهود له بالعديد من الصفات الجيدة والمحمودة أن يقتل نفسه كي يجعلهم يندمون؟؟!، إنه الألم.. الألم الذي لا نقوى على تحمله.. ولا يمكننا تجاهله.

 لقد قرأت وسمعت بل ومررت بهذه الحالة. في معظم الحالات لا يكون لدى هؤلاء الأشخاص أي رغبة حقيقية في مغادرة عالمنا البائس، نظرًا لأنه في هذا العالم يوجد أشخاص يحبونهم ويتعلقون بهم، يعيشون لهم وبهم، ودائمًا هم في سعي مستمر وفي حالة مقاومة لكل الصعوبات التي تمر على المرء شاء أم أبى خلال هذه الحياة، لكن انتظار كلمة من أحبائهم ودعم من ذويهم واحتواء من المقربين لقلوبهم كافية لتنسيهم أي تعب ومشقة.

هؤلاء المساكين-ونعم أتعاطف معهم وأراهم كذلك- كان خطؤهم الوحيد أنهم علقوا رغبتهم في استمرارية العيش على أشخاص آخرين غير أنفسهم، أشخاص اعتقدوا أنهم يستحقون أن يحبوهم أكثر من أنفسهم، لذلك عندما يلاقون منهم قسوة وجفاء أو لا مبالاة أو استخفاف، أو أشكال مختلفة ومتتابعة من التكذيب وتحقير الشأن وفي أحيان أخرى استغلال وابتزاز عاطفي، يكون وقع الصدمة عليهم أكبر من استيعابهم، وغصة الحلق ووجع القلب والانهيار الداخلي يحدثون ألمًا أشد مما يمكنهم تحمله.

شعورهم بالخذلان.. الغضب.. انهيار العالم من حولهم واسوداد الدنيا في أعينهم، يعظّم بداخلهم شعور أن كل ما بذلوه وفعلوه بلا جدوى ولم يُقدر، بل لم يُلتفت إليه من الأساس، وأن قيمتهم عند هؤلاء الأشخاص أقل بكثير مما كانوا يتوقعونه، كل ذلك ينمي بداخلهم غضبًا شديدًا ونقمة على كل شيء، على نفسهم الفاشلة وعلى الآخرين القساة، في لحظة واحدة تسيطر عليهم فكرة تنهي كل هذا الألم وتعوضهم عن معاناتهم، لنضرب عصفورين بحجر.. سننتقم لأنهم لم يلتفتوا إلينا.. لم ينصتوا ولم يرحموا.. وسنضع حدا لوجعنا هذا.

حقيقة -ونحن في 2023- أرى أنه من الجبن وضحالة الأفق أن نلخّص إنهاء الشخص حياته لهذا السبب في ضعف الوازع الديني، أو ابتعاده عن الله أو نصفه بأنه مريض، فالحب والتعلق والارتباط ووضع الآمال على أشخاص بعينهم -أيا كانت صفتهم- موجود داخلنا جميعًا بنسب مختلفة، ودرجة تقبل خسارتهم أو تلقي صدمة منهم تختلف بين شخص وآخر، مثلها مثل طرقنا المتباينة في التعامل مع أي مشاعر أخرى، فلا مجال للمزايدات هنا.

هل يرى البعض هذا مرضًا؟ ربما. هل يعتبره آخرون قوة أو جراءة؟ فئة ليست بالقليلة تقول ذلك. هل يندم الذين آذوهم بعد فوات الأوان؟ هذا أكيد.

التفتوا إلى من يحبونكم بصدق، احتووهم، انصتوا إليهم، ساعدوهم على إدراك قيمة أنفسهم، اسمحوا لهم بأن يروا أنفسهم الحقيقية، لا تقسوا ولا تجحدوا، لا تستبيحوا قلوبهم، لا تستخفوا بمعاناتهم، لا تجحفوا محاولاتهم ولا تراهنوا على صبرهم، فقد يكون انتحارهم إرادة في الذهاب إلى الله ليخبروه بكل شيء، ويبقى موتهم هو الصفعة التي تأتيكم دائمًا.. من حيث لا تدرون ولا تحتسبون.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة