رأي|عن الفيميسايد في مصر.. ليست حوادث فردية

صادفت مقطعًا صغيرًا على تطبيق تيك توك، تحكي فيه فتاة لطبيب تجميل عن ندب طويل موجود على الجانب الأيسر من وجهها حتى نهاية رقبتها قائلة “رفضت أرتبط بيه جالي في الجامعة ومن ضهري استخدم قطر عشان يحاول يقتلني”، أكد الطبيب على رغبة هذا المجرم في قتلها حيث اختياره للمكان كاد أن يصيب شريان مهم قد ينهي قطعه حياتها فورًا.

خلال يومين فقدنا في مصر ثلاث فتيات هن “شيماء، نورهان، وسمية” المشترك بينهن هو المعرفة المسبقة بالمجرم، لكن لسن كالمثال السابق ذكره، حيث أن السبب لم يكن هو الرفض في السياق الرومانسي والعاطفي وعلى نطاق العلاقات فقط، بل فقدت نورهان حياتها مقابل شهادتها بالحق في قضية بلطجة للمجرم تجاه شخص آخر، وهو ما يعكس أن قول لا في أي سياق يعرض النساء للقتل في مصر وليس فقط من شريك سابق أو محتمل وهو ما يندرج أيضًا تحت تعريف “القتل على أساس النوع أو ال Femicide.

تُعرف منظمة الصحة العالمية قتل الإناث “Femicide” على أنه القتل العمد للنساء أو الفتيات لمجرد أنهن إناث. ويحدث قتل الإناث في الغالب على يد الرجال، ولكن في بعض الأحيان قد يحدث القتل للنساء أو الفتيات على يد أحد أفراد الأسرة الإناث وتُرتكب معظم حالات قتل الإناث على يد أزواجهن/ شركائهن الحميميين الحاليين أو السابقين.

وتُشير نتائج تقرير صادر عن هيئة الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة إلى أن حوالي 47,000 سيدة أو فتاة في جميع أنحاء العالم قُتلن في عام 2020 على أيدي شركائهن الحميمين أو أفراد الأسرة الآخرين.

كذلك رصدت دراسة في العام الماضي لمركز تدوين لدراسات النوع الاجتماعي 151 حالة قتل أو انتحار لسيدات وفتيات من مختلف الفئات العمرية في الفترة الزمنية من أكتوبر 2021 وحتى أكتوبر 2022، وهو ما يضعنا الآن أمام حقيقة قتل نيرة أشرف وأماني وداليا وإيمان عادل، ونورهان وشيماء وسمية وغيرهن، هو أن سياق القتل لـ عدم قبول الرفض من جهة المجرم اختلف عما سبق، وأصبحت مواجهة الذكورية بأي شكل قد تعرض حياة النساء للخطر.

#أنا_الضحية_القادمة، هو هاشتاج تم تداوله بين الفتيات والنساء المصريات معبرات عن مخاوفهن تجاه ما يحدث وخاصة ذكر بعضهن تعرضهن لتهديدات مماثلة كما حدث مع أغلب الضحايا، مع التأكيد على أن بعضهن قومن بتحرير محاضر ولكن لا جدوى من ذلك، بسبب عدم قدرة الضحايا على إثبات التهديدات بشكل قانوني ومن ضمن الأسباب هو التطور الملحوظ داخل تلك المجموعات التي تحفز وتشجع الشباب على مثل تلك الأفعال على التليجرام والفيسبوك من خلال تداول نصائح وطرق للقيام بتلك التهديدات بشكل يحميهم ويصعب على النساء مهمة الإثبات، مع التمجيد المستمر للمجرمين السابقين أمثال محمد عادل قاتل نيرة أشرف مما يشجع مجرمين جدد لأن يسلكوا نفس الطريق.

بالإضافة لذلك، الاستخفاف المعتاد بشكوى النساء، والممارسات الذكورية التي تمارس من قبل القائمين على تحرير المحضر أو التواصل مع الجمهور، حيث يضع بعضهم أنفسهم أوصياء على أخلاق الضحية ومسار حياتها، وهو ما أصبح عائق أمام النساء لطلب المساعدة وعزوفهن عن اللجوء للمسار القانوني بسبب ما يتعرضن له داخل أقسام الشرطة، وكذلك فقدانهن الثقة في أن سمة شيء مختلف عن المعتاد سيحدث، حيث أن ما تسمعه الضحية قبل أي شيء وخاصة في قضايا العنف الإلكتروني والتهديد والابتزاز هو التأكيد على الاحتمالية الكبيرة لحفظ المحضر وعدم أخذه بجدية من قبل المسئولين.

تلك التعقيدات جعلت النساء توضع تحت ضغوطات جديدة إلى جانب الخطاب المجتمعي الذي يدعم المجرمين ويبرر لهم ويطارد النساء والفتيات حتى التنازل عن حقوقهن، وهي صعوبة اللجوء لمن هو منوط بحمايتهن، أو عدم جدوى اللجوء لهم، مما يشعرهن بأنهن ضحايا محتملات كل يوم.

قد يكون أحد الحلول السريعة والتي تحد من انتشار هذه الظاهرة هو تغيير شكل الإجراءات المتبعة في تلك القضايا وكسر حلقة الروتين التي تقع فيها النساء عند الإبلاغ، وكذلك التحرك السريع والفعال وأخذ مخاوف النساء على محمل الجد وبشكل أكثر عمقًا، وكذلك التعامل مع بلاغات العنف الإلكتروني بشكل أكثر حزمًا حتى يتم ردع تلك المجموعات التي تستهدف النساء الآن بشكل عشوائي على الإنترنت لممارسة وصاية ذكورية عليهن، ولتدمير حيواتهن. كذلك تشريع مواد قانونية يتم فيها ذكر جرائم القتل على أساس النوع، كل هذا قد يجعل هذا المشهد المرعب أقل رعبًا وإلا ستظل النساء في ضحايا محتملات حتى تتفاعل المؤسسات مع تلك الحوادث على أنها ليست فردية.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة