فترة رئاسية ثالثة رغم المناشدات.. القادم قد يكون أشد صعوبة

جاء قرار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالترشح لفترة رئاسية ثالثة، على عكس ما تمنته ودعت له بعض الأحزاب السياسية والشخصيات العامة خلال الفترة الأخيرة؛ فمنذ الحديث عن بدء الاستعداد للانتخابات الرئاسية المقبلة، توالت المطالبات والمناشدات للرئيس الحالي بعدم الترشح مجددًا، خاصة وأن السنوات العشر الماضية، والتي كانت في عهده، شهدت تأزمًا ملحوظًا على الصعيدين السياسي والاقتصادي.

في كلمته الختامية الإثنين بفعاليات مؤتمر “حكاية وطن” الذي عقد في العاصمة الإدارية الجديدة، أعلن السيسي، ترشحه لخوض انتخابات الرئاسة في ديسمبر المقبل لتولي فترة رئاسية ثالثة وأخيرة مستفيدًا بتعديلات أدخلت على الدستور المصري في 2019 أجازت له التقدم لفترة جديدة مدتها ست سنوات تنتهي في 2030.

اقتراحات التعديلات هذه تقدمت بها كتلة “دعم مصر” في البرلمان – ائتلاف شُكل لدعم الرئيس على غرار الحزب الوطني. وجاء في تقرير اللجنة الدستورية والتشريعية في مجلس النواب عن التعديلات أن 155 نائبًا وقعوا على الطلب الخاص بإجرائها، ووافق عليها نهائيًا 531 نائبًا من بين 596 عضوًا في مجلس النواب الذي تؤيد الأغلبية الساحقة من أعضائه السيسي.

وقتها، قال رئيس مجلس النواب علي عبد العال، إن نوابًا في البرلمان بادروا بطلب إجراء التعديلات، وإن السيسي قد يقرر ألا يرشح نفسه لفترة رئاسية جديدة.

لم يكن خبر ترشح السيسي لفترة ثالثة بمفاجأة، إذ أن التعديلات الدستورية مهدت الطريق إلى هذا القرار. وحتى رغم المشهد الذي رُسم لخروج قرار الترشح بأنه استجابة لطلب آلاف المصريين، فإن هناك أراء تؤكد أن السنوات المقبلة قد تكون الأصعب بعد هذا القرار، وقد يزداد الأمر سوءًا، خاصة على الصعيد الاقتصادي.

كيف يحدث انتقال آمن للسلطة؟

مصطفى شوقي

يرى الناشط السياسي والباحث مصطفى شوقي، أن مصر بلغت معدلات غير مسبوقة في تاريخها الحديث من التدهور الاقتصادي والتفسخ الاجتماعي والانغلاق السياسي وضعف وتراجع الدور الإقليمي والدولي. مشيرًا إلى توقع الكثيرين بأن يكون عام 2024 الأكثر سوءًا على مستوى معدلات الفقر وتدهور قيمة العملة وتراكمات فاتورة الدين الخارجي.

“ستكون فرص الاصلاح وتصحيح المسار أو حتى إيجاد حلول وإجراءات عاجلة لحماية عموم المصريين من تبعات الأزمة الاقتصادية الطاحنة غير ممكنة تقريبًا مع استمرار الإدارة السياسية الحالية”؛ يقول “شوقي”، الذي يؤكد أن تشكيك الحلفاء الإقليميين والدوليين المتزايدة في قدرة الإدارة المصرية الحالية يزيد معاناتها وينذر بعدم تجاوز أزماتها الهيكلية.

ووفق “شوقي”؛ فإن “الرئيس نفسه أصبح عنوان الأزمة، حتى وإن تمكن من العبور إلى دورة رئاسية جديدة، لأن السؤال الأهم يظل بلا إجابة: كيف يمكن أن يحدث انتقال سلمي وآمن للسلطة في مصر؟!”.

ترشح يغلق باب تكافؤ الفرص

تنظر إلهام عيداروس، وكيل مؤسسي حزب العيش والحرية – تحت التأسيس، إلى ترشح الرئيس الحالي باعتباره غلقًا لباب مبدأ تكافؤ الفرص، ومؤشر يجعل نتيجة الانتخابات محسومة من قبل إجراؤها.

إلهام عيداروس
إلهام عيداروس

في بيان أطلقه في سبتمبر الماضي، وصف حزب “العيش والحرية” ترشح السيسي لمدة ثالثة، بأنه أكبر عقبة أمام تحول الانتخابات القادمة لانتخابات حقيقية.

تقول “عيداروس” إن كل مؤسسات الدولة “ليست محايدة”. وتتساءل: “مين بيحشد الناس دي ويلم بطايقها ويوقفها أمام الشهر العقاري؟”. وتقول: “العالم اخترع أن المناصب لا تزيد عن دورتين حتى لا يتحول الأمر إلى شبكة مصالح يعمل ما في داخلها على حماية مصالحه الخاصة.. لا يمكنني وصف التعديلات الدستورية التي تمت في 2019 إلا بأنها كانت كارثية”.

ويرى حزبها أن “ترشح السيسي بموجب التعديلات الدستورية التي جرت في 2019، والتي رفضتها قوى المعارضة، ورأتها تأسيسًا لحكم سلطوي ممتد، سيقطع الطريق على ترشح أي مرشح جاد للمعركة خوفًا من الحصار أو البطش الأمني، أو الشعور بعدم جدوى المعركة، ومن ناحية أخرى، فإن حياد مؤسسات وأجهزة الدولة وإعلامها الرسمي غير ممكن مع ترشح الرئيس في بلد يتمتع الرئيس فيه بالوزن الأكبر في عملية الحكم ونفوذ كبير وسيطرة شبه كاملة على المؤسسات جميعها”.

السيسي في مؤتمر حكاية وطن (وكالات)

“مدتين كفاية”

لم يفاجئ قرار ترشح السيسي، الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني، نائب رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي. يقول: “كل التوقعات كانت تؤكد ذلك بدليل انطلاق حملة جمع توكيلات لترشحه رغم أن غالبية مجلس النواب تؤيد ترشحه، ولكنه محاولة لإضفاء طابع شعبي على الترشح ومحاولة لصنع تفويض جديد”.

إلهامي الميرغني

كان لحزب التحالف الشعبي، كما يقول نائب رئيسه، موقف واضح من اللحظة الأولى برفع شعار “لا لإعادة ترشيح الرئيس السيسي”؛ لأن ترشحه يعني أن الانتخابات غير تنافسية، ستسخر كل أجهزة الدولة فيها لدعمه مع إعلام موالي بدأ قبل أسابيع حملة دعاية لم تكن معلنةً بعد، بينما في الوقت نفسه هناك حرص شديد على عدم تمكين أشخاص يمكن أن يصبحوا منافسين حقيقين للرئيس.

“سيكون لدينا 4 أو 5 من عينة موسى مصطفى موسى وإن حاول بعضهم ارتداء ثياب المعارضة.. يمكن وصفهم جميعًا بأنهم رجال الرئيس”؛ يقول الميرغني.

كان التحالف الشعبي ضمن الداعين لإطلاق هاشتاج “مدتين كفاية”؛ لأن كل المؤشرات الاقتصادية تؤكد أننا في أزمة كبرى وكوارث مستمرة بسبب السياسات والانحيازات التي عشناها على مدى العشر سنوات الماضية، وفق الميرغني، الذي عدد هذه الكوارث بـ”حصار المجال العام ووضع الآلاف رهن الحبس الاحتياطي، وحصار الأحزاب والنقابات وأكثر من 500 موقع إعلامي محظور، إضافة إلى سوء إدارة قضايا الأمن القومي بدءًا من تيران وصنافير إلى السلام الدافئ مع العدو الصهيوني وكارثة التوقيع على إعلان مبادئ سد النهضة؛ على حد قوله.

الإنكار ينذر بالانفجار

يقول الدكتور زهدي الشامي، أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية، إن الأصل في الحكم الحديث الديمقراطي هو مدتين؛ لأن الحكم مفتوح المدة ثبتت آثاره السلبية وضرره البالغ على التغير الديمقراطي عبر صناديق الاقتراع. وهو يرى أن تقدم الرئيس للترشح مجددًا يمكنه من مميزات لم يحصل عليها خصومه، وبالتالي تصبح العملية الانتخابية كلها بين قوسين، ولا يتوقع لها أن تنتج جديدًا.

الدكتور زهدي الشامي

لهذا، يشيد أستاذ العلوم السياسية بدستور 2014 الذي وُضع في ظروف أكثر ديمقراطية مما نحن عليه الآن، لأن الهدف منه كان تجنيب البلاد العودة إلى عهد الحكم طويل الأمد كما حدث في عهد مبارك، على عكس تعديلات العام 2019، التي ضيقت مساحة حرية الاختيار الصحيح للشعب بشكل متوازن.

ويرى “الشامي” أن الوضع الراهن في مصر من أزمة اقتصادية كبيرة وإنكار للأسباب الحقيقة للأزمة دون الاعتراف بسوء السياسيات الاقتصادية، وما تبع ذلك من انهيار لمستوى معيشة المواطن، وانفلات كامل بالأسعار والتضخم، ووعد الاستمرار بنفس الإدارة، قد يؤدي إلى الانفجار الذي لا نتمناه وقد لا نستطيع منعه، في ظل إصرار السلطة على عدم التغيير عن طريق الصندوق.

“إجراء الانتخابات بهذه الطريقة لن يحل الأزمة، ومن يصر على استمرار نفس السياسيات عليه أن يتحمل عواقب ما سيحدث”؛ يقول أستاذ العلوم السياسية.

وتولى الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، مهام منصبه منذ عام 2014، عندما حقق فوزًا بنسبة 96.9 بالمئة من الأصوات. وفي مارس 2018، أعيد انتخابه لولاية ثانية بأكثر من 97 بالمئة من الأصوات، بعد استبعاد منافسين وانسحاب آخرين بفعل الملاحقات الأمنية التي عانوها.

وفي 2019، أُقر إصلاح دستوري أثار جدلًا، مددت بموجبه ولاية السيسي الثانية من أربع إلى ست سنوات حتى 2024، ومكنه من الترشح لولاية ثالثة من ست سنوات في 2024 تنتهي في 2030.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة