“وش القفص” في السلطة والمعارضة، وبواقي يناير

فكرة العراك القائم بين طرفين تعطي دائمًا انطباع أن الطرفين مختلفان، كأنه دائمًا يجب أن يكون أحدهما خير والآخر شر، أحدهما سيء والآخر جيد. إلا أن طبائع الأمور ليست هكذا دائمًا بل على العكس. أغلب الأحيان يتصارع المتشابهون حد التقارب. تتصارع الوحوش لفرض السيطرة. يتصارع الأنانيون للمصالح والفرص، والديكتاتوريون لفرض السطوة.

نتندر على رجال “السلطة” ونقول إن كان هذا وش القفص فما بالك بما تحته، ووش القفص “للمعارضة” ليس بالأفضل حالًا!

لكن ماذا لو كان هناك أحد قاصد أن يظهر الفاسد من الحَبْ والثمر أعلى القفص، ليوحي أن القفص كله فاسد؟

وأنا لا أتحدث هنا عن قفص “السلطة” وحده، بل وقفص “المعارضة” بشكل عام وقفص “المجتمع المدني” و “الصحافة” و “الأحزاب”.

ربما “وش القفص الفاسد” لا يدل بالضرورة أيضًا على أن “القفص” كله فاسد. في بعض الحالات قد تكون خدعة، ليمنعك من أن تقترب وتشتري من “القفص”.

بعد اثنا عشر عامًا على ثورة ٢٠١١ غير المكتملة، غير المنتصرة. أصبح هناك ضرورة حتمية للاعتراف بوقائع ثابتة. منها بداية ما ذكرته، أنه ليس معنى أن تكون ضد نظام قائم أنك تسعى “بالضرورة” لخلق نظام مختلف عنه، بل على العكس، في الغالب صراع السلطة يجذب محبي السلطة أكثر، والحروب تجذب محبي الحروب أكثر من داعمي السلام. وفي أوج الثورة أكثر المتسلقين على سطح المشهد، سواء في “الإعلام” أو “المجتمع المدني” أو “ساحات التظاهر” أغلب الذين تصارعوا وسارعوا إلى “الحديدة” هم نماذج مصغرة للنظام نفسه الذي خرجوا عليه. بعضهم بالفعل تمكن من الانخراط بعدها في النظام الحالي وأصبح ذات منصب وسلطان، وبعضهم منعهم الحياء أو الغباء أو عدم عرض فرصة مناسبة لهم من أن ينخرطوا لكن مع كل فرصة تشرئب أعناقهم منتظرين أن يتم إطعام أفواههم الجائعة أية “نِمرة” فيجدوا لأنفسهم مساحة تحت الضوء، أو عرض عمل لا يستحقونه، أو سلطة ولو وهمية للتحكم في الخلق. وهو الأمر الذي يفسر بمنطقية التصرفات الديكتاتورية والعنيفة التي نشهدها من بعضهم أول ما تتاح لهم فرصة.

الواقع الثاني الذي يجب أن نعترف به، أن ثورة يناير قد مر عليها ١٢ عامًا… رقم ليس بسيط. أكثر من عِقد من الزمان، وفوق المدة فإن عدة تغييرات عنيفة أصابت العقل الفردي والجمعي لمن شاركوا صدقًا في يناير، لا طامعين ولا “ظايطين”، السجون وأثرها الذي يجب أن نعترف به، في أجسادنا وعقولنا ونفوسنا. بالإضافة لطول الصراعات والخيانات والصدمات. وكل ما عاصرناه من شهداء ودماء وتعذيب، وفوق كل هذا جيل جديد نشأ. في ظل حكم لا ثقب إبرة فيه لتواصل أو تنشئة سياسية. جيل نشأ وهو مراهق يشاهد المظاهرات والضرب والنار ويتابع أخبار القتل ويستمع لجدالات سياسية عنيفة داخل بيته، اليوم هذا الجيل له فكر وثقافة مختلفة، وله طرق مختلفةً.

ضرورة الاعتراف به وباختلافه. جنبًا إلى جنب مع ضرورة الاعتراف بما أصابنا عبر الزمن، أمر يجب أن نتخذه في الاعتبار في كل مرة نتحدث فيها عن “مستقبل”.

فلا مستقبل دون احترام تلك الوقائع، صحيح أن كل ما ذكرته مما عانى منه “بواقي يناير”، منا، أضاف خبرات كبيرة وعمق أوسع بالإضافة للخلل لكن دون تلاحمه مع الخبرة المغايرة للجيل المختلف وتفهم التغيير الذي حدث في المجتمع المصري والثقافة المصرية والخروج من لحظة ٢٠١١ بكل مقدماتها والتطلع للواقع بثقل تلك الخيرات وعمقها، لن يؤدي لنتائج مختلفة.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة