العائدون

أول ما تعلمته عن الديمقراطية كانت جملة باللغة الإنجليزية أتذكرها جيدًا وأفشل تمامًا في تذكر قائلها والسياق الذي قيلت فيه

Democracy is to deliver

الديمقراطية هي أن توفى

بمعنى أن ديمقراطية بلا إنجاز يمس الناس ويغير حياتهم للأفضل فهي ديمقراطية بلا معنى.

ولذلك أرى أن التشدد المبالغ فيه عند بعض الناس بالقول بأن “القيم العليا” فقط هي التي يجب أن تكون المحرك الرئيسي والوحيد لاختيارات الناس وتوجهاتهم السياسية هو خليط من التعالي على الطبيعة البشرية التي تحركها المصالح والمكاسب قبل أي شيء آخر والجهل بتاريخ الصراعات والثورات والحروب التي كانت مصالح الجماعات المشاركة فيها هي المفتاح الأساسي في تحريكها وتحويلها لواقع مؤثر – أو كما قال نابليون “الجيوش تزحف على بطونها”.

صحيح أن هناك قلة من الناس التي قد تختار التمسك بالمبادئ والقيم العليا حتى لو تعارضت مع مصالحها الشخصية، وصحيح أن هذه القلة هي التي ينتمي إليها الشعراء والحالمون والمناضلون، لكنها تظل قلة نادرة بطبيعتها وتظل قدرتها على التأثير محدودة بقدرتها على إقناع الآخرين بأن المبادئ التي تدافع عنها تعظم مصالحهم ولا تعمل ضدها.

ومع الوضع في الاعتبار أن الغالبية العظمى من الناس يسعون لحماية مصالحهم أو الحفاظ عليها بلا مساس، ولا يسعون للخروج عن القوانين والأعراف، ولا يسعون للاصطدام بالمجتمع، نجد أن في إقناع الناس بمبادئنا التي ارتضينا الدفاع عنها والنضال من أجلها فائدة عظيمة في إحياء تلك المبادئ وجعلها شاخصة في الأذهان وفاعلة في الأحداث اليومية للمجتمع على أرض الواقع، كما أن لها فائدة عظيمة في تطوير وتحديث تلك المبادئ لتصبح قواعد حياتية ملموسة ومفهومة وعملية وليست مجرد شعارات فارغة من مضامينها.

وهنا نجد أن الانفصال بين الشعارات والمثل العليا وحياة الناس لا يخدم إلا المتاجرين بهذه الشعارات، والذين يستخدمونها لتحقيق صورة ذهنية مثالية خادعة يخدعون بها أنفسهم والآخرين للشعور بالتفوق والتميز عن باقي المجتمع بدون أن يكون لهم أي إرادة في تحويلها لواقع لما يتبع ذلك من جهد وتضحيات مؤلمة. بل قد يروجون لقيم زائفة لا معنى لها لخدمة مصالحهم ومكانتهم داخل الهرم الاجتماعي.

لكن القيم العليا الحقيقية – في رأيي – هي القيم التي يؤدي اتباعها وتطبيقها لرفعة حياة الناس وإحساسهم بالسعادة والرضا وحب الحياة.

أقول هذا كله بمناسبة هجوم الكثيرين من “أصحاب المبادئ” على “أصحاب المصالح” الذين تغيرت أو اهتزت قناعاتهم السياسية بسبب تضرر مصالحهم الحياتية وكأن حرص الناس على مصالحهم في حد ذاته أمر يستوجب الإهانة والتوبيخ!

وأنا هنا لا أدافع عن أصحاب المصالح، العائدين، ولا أقف في صفهم ولكن أنبه إلى أن كل منا صاحب مصلحة في وطن حر وكريم وأن الدفاع عن المبادئ العليا والقيم يجب أن يتم ترسيخه في أذهان عموم الناس على أنه دفاع عن مصالحهم وحياتهم وليس محاربة يائسة – ونبيلة – لطواحين الهواء بلا طائل.

وأختم مقالي بمثال توضيحي.. فقيمة عليا مثل قيمة العدل – وهي القيمة الأقرب إلى قلبي وضميري – تتحقق فقط عندما يظلل العدل الجميع حتى من يقفون ضد تحقيقه، فيفتح العدل الباب للتوبة لمن أخطأ بل ومن أجرم أيضًا، في نفس الوقت الذي يغلق فيه أبواب الفساد والإجرام على الجميع، حتى أولئك الذين بذلوا كل ما يملكون لتحقيقه.

عندها ينتصر العدل وترتفع رايته ويرتضيه الناس أسلوب لحياتهم ما حيوا، بينما لو تحول شعار العدل لوسيلة للانتقام والتنكيل يفقد فورًا معناه وقيمته ويدرك الناس بفطرتهم وتلقائيتهم أنه لا عدل هناك ولا يحزنون وإنما تدافع بين ظلمة يتخذون العدل ستارا لمآربهم، فينفض الناس من حولهم بعد أن تشبع شهوات الانتقام والتشفي ثم تعود الأمور لمجاريها حيث الظلم هو السائد والمقبول.

استقيموا يرحمكم الله وأعدلوا هو أقرب للتقوى، ولا تتخلوا عن الإنسانية بحثًا عن المثالية، فكلنا بشر وكلنا خطاؤون وخير الخطائين التوابون.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة