العلمانيون الأقباط ..هل عبر “صوت التيار” نوافذ المقر البابوي؟

قبل نحو 17 عامًا أعلنت مجموعة من الشخصيات القبطية عن ذاتها تحت مسمى “التيار العلماني القبطي”، وفي الفترة من “2006 حتى 2010” اشتبك التيار مع قضايا الكنيسة، انطلاقًا من ضرورة الإصلاح الكنسي، غير أنه منذ اعتلاء البابا تواضروس الثاني –بابا الإسكندرية، بطريرك الكرازة المرقسية الكرسي البابوي في نوفمبر 2012، خفت صوت “العلمانيين” المعارض نظير ما جرى من فتح قنوات اتصال مع المقر البابوي تبشر بـ”إصلاحات كنسية” أقرت، ولا تزال منذ عشرية البابا الأولى على الكرسي المرقسي.

نشأة التيار العلماني

وتأسس التيار العلماني في شهر سبتمبر 2006، مستهدفًا تطوير آليات عمل المؤسسة الدينية المسيحية و”الإصلاح”، ومطالبًا بتطوير آلية إدارة الكنيسة، ونظمها، وتقليص سلطات الكهنة، والأساقفة لتقتصر على العمل الروحي فقط، مع إتاحة الفرصة للعلمانيين لتولي أمور الكنيسة المادية، وفتح أبواب الأنشطة الاجتماعية لتكون متاحة أمام الشعب المصري بأكمله، بجانب إخراج الأقباط من عزلتهم، ودمجهم مع سائر أبناء الوطن- حسب مطالب المؤتمر الثاني المنعقد في إبريل 2007، والذي كان منسقه كمال غبريال.

ويعتبر “التيار العلماني” امتدادًا لأفكار عدد من أصحاب الرؤى الإصلاحية –حسب تصريحات مدحت بشاي- أحد مؤسسي الكيان-، من بينهم الكاهن إبراهيم عبد السيد – صاحب العديد من المؤلفات الهامة في مجال دعم، وتطوير الآداء الكنسي، لافتًا إلى أن “التيار العلماني” طالب إبان فترة البطريرك الراحل البابا شنودة الثالث بتطبيق ما كتبه -قاصدا ما كتبه البابا نفسه قبل دخوله سلك الرهبنة-، وسعى إليه حين كان علمانيًا- أي خارج الرتبة الكنسية-، وبعد أن أصبح رئيسًا لتحرير مجلة “مدارس الأحد”.

يقول “بشاي”: إن اشتباك التيار العلماني القبطي مع إشكاليات الأقباط، والكنيسة-خلال فترة البابا شنودة الراحل- أدى إلى توجس أصحاب المصالح، نافيًا انزلاق أعضائه إلى شخصنة الأطروحات الصادرة عنه، ورغم ذلك وجهت لهم سهام النقد، والتشكيك، والتنكيل.

 في حين يرى “كمال زاخر”- منسق التيار العلماني القبطي- أن القضية أصبحت متروكة الآن لأن الكنيسة بوضعها الحالي رفعت يدها عن التدخل في السياسة، بعكس توجهات البطريرك الراحل التي كانت تتيح له لعب دور سياسي.

ويضيف: ليس هناك تغييب لـ”جبهة العلمانيين الأقباط”، كل ما هنالك أن الأمور تغيرت.

تاريخ الصراع

وتعرض “التيار العلماني” –على حد قول “زاخر” إلى محاولات تفكيك من الداخل، لكنه بعد ذلك بادر بإصدار كتابه “العلمانيون والكنيسة”-عام 2009، وأتبعه بكتاب “قراءة في واقعنا الكنسي”عام 2015، لافتًا إلى أنها محاولات لقراءة مصادمات الفرقاء.

ويرجع الكاتب “نجاح بولس” الصراع بين العلمانيين و”الإكليروس” إلى تاريخ ابتكار فكرة المجلس الملي بمعرفة “بطرس باشا غالي” عام 1873، مشيرًا إلى أنه طوال فترة قاربت قرنًا، ونصف، وشملت سبعة فترات بابوية لم تنته محاولات رجال الكنيسة لإقصاء دور المجلس الملي في إدارتها، حتى خلال فترة القديس البابا كيرلس السادس استصدر الرئيس جمال عبد الناصر قرارًا بحل المجلس الملي، إلى أن جاء البابا شنودة، وأعاده مرة أخرى، رغم أن الدور الأكبر كان للقيادة الكنسية.

ويشير “زاخر” إلى أن المجلس الملي منذ إنشائه لم يكن على وفاق مع أي بطريرك، وكان يواجه متاعب كثيرة إلى أن تم تجميده.

ويستطرد قائلًا:” هناك حضور بشكل مختلف للعلمانيين الأقباط في الفترة الراهنة، لأن مصطلح “علمانيين” ليس بالمعنى السياسي، ولا الفلسفي، وحسب القانون الكنسي لا يمكن وجود صلاة بدون علمانيين، حتى ولو كان فردًا واحدًا، بجانب أن خدمات الكنيسة الأساسية ومن بينها التعليم يقوم به علمانيون”.

العلمانيون لم يقدموا مثل هذه الرؤى طمعًا في منصب كنسي

أوراق العلمانيين

مع إعلان فوز البابا تواضروس الثاني بالقرعة الهيكلية، في العام 2012، وبينما كان معتكفًا بدير الأنبا بيشوي- وادي النطرون- حسب الطقس الكنسي، أرسل “التيار العلماني” ملفًا يتضمن 6 قضايا رئيسية معنية بالإصلاح الكنسي أهمها “لائحة انتخاب البطريرك، الأحوال الشخصية، المحاكمات الكنسية، المجلس الملي، المجلس الأعلى للكنيسة، والرهبنة”.

وشملت التعديلات المرسلة في نوفمبر 2012، إضافة منصب نائب البطريرك، وإلغاء القرعة الهيكلية، وقصر الترشح للبابوية على الرهبان فقط، وتضمين قانون الأحوال الشخصية المقترح 11 سببًا للطلاق بجانب “علة الزنا”، وتعديل مسمى المجلس الملي إلى “المجلس العلماني”، ومع وضع ضوابط للمحاكمات الكنسية منعًا لتدخل الأهواء الشخصية.

مقدمة الملف تضمنت شرحًا لطبيعة التيار العلماني كونه “مجموعة من المخلصين للكنيسة تشكل في عام 2006 لدراسة الإشكاليات الكنسية التي تعوق مسيرتها”، وعرجت في خاتمتها الممهورة بتوقيع قيادات التيار العلماني بحسب ترتيب أبجدي” اسحق حنا، أكرم رفعت، جرجس كامل يوسف، رائيف مرقس ينى، سينوت دلوارشنودة، كمال بولس باسيلى، كمال زاخر موسى، ماجد وديع الراهب، مدحت بشاى، ناجى فوزى، نشأت عدلى عجايبى، يوسف رامز” على جهود التيار في إسداء مشاريع الإصلاح الكنسي على مدار خمس سنوات للبابا شنودة الراحل، والمجمع المقدس والمجلس الملي، واصفا الملف بأنه رؤية في أبرز القضايا التي تستوجب أن تكون محل اهتمام قداسته للعبور بسفينة الكنيسة إلى ضفاف الأبدية، رغم أمواج عاتية وملابسات يمر بها الوطن.

هدوء ما بعد “البابا تواضروس

كمال زاخر

 ويقول “منسق التيار العلماني”-كمال زاخر: إن البابا تواضروس أعلن عن تقديم العلمانيين أوراقًا، وأبحاثًا، مؤكدًا استفادة الكنيسة منها، وأخذها بعين الاعتبار.

ويضيف أن هذا الطرح  ظهر جليًا في محاولات مأسسة الكنيسة، وإقرار لوائح الأساقفة، والكهنة، والرهبنة، مشيرًا إلى أن “العلمانيين” لم يقدموا مثل هذه الرؤى طمعًا في منصب كنسي، وإنما لأجل تطبيقها.

وفي أول رد فعل تجاه محاولات البابا تواضروس الثاني لإعادة ترتيب البيت الكنسي- حسبما أطلق على خطوته الإصلاحية عقب توليه مهام البابوية- أصدر التيار العلماني بيانًا لدعم البطريرك رقم 118، محذرًا من محاولات عرقلة مسيرته الإصلاحية.

بما يفسره – مدحت بشاي- أحد مؤسسي التيار العلماني- بأنه رد فعل طبيعي تجاه أولويات العمل التي انتهجها البطريرك الحالي عبر سياسة الباب المفتوح مع الجميع بما فيهم “العلمانيين الأقباط”، لافتًا إلى أن ثمة مقابلات جرت بينهما تخللها تسليم أوراق بحثية لخطوات إصلاحية وفق رؤية التيار العلماني.

ويضيف إن كان ثمة تراجع في الأداء الإصلاحي للبطريرك الحالي، وحسبما أعلن قداسته في إحدى مقابلاته التليفزيونية بأن ما جرى لا يتجاوز 5% من خطته الإصلاحية، فإن ذلك يعني محاولات عرقلة للمسيرة، لكن هذا لا يتماشى مع بيان التيار العلماني المبالغ في رصد الأحداث.

وأصدر التيار العلماني، في الثالث عشر من نوفمبر عام 2014- قبيل الذكرى الثانية لتجليس البابا تواضروس على الكرسي المرقسي- بيانًا يتضمن رفضه الكامل لكل محاولات تجميد، أو إعاقة خطوات البابا تواضروس الثانى، أو محاصرته، مناشدًا الأباء المستنيرين بالمجمع المقدس، التصدي للمؤامرة التي يقودها البعض داخل مجمعهم وتحالفاتهم خارجه، لإسقاط البابا، أو وقف مسار الإصلاح واسترداد الكنيسة لموقعها المتقدم في خريطة الخدمة، والوطن.

وعن ذلك يقول “زاخر”: إن محاولة التغيير تواجه بضراوة من قبل التقليديين، والعنصريين، لكن البابا تواضروس الثاني لم يدخل في مهاترات، أو مسائل شخصية، ويستطرد قائلًا:” عنده طول بال، وهدف”.

العلمانيون والبابا شنودة

مدحت بشاي

وعرج البيان الصادر آنذاك عن جبهة العلمانيين الأقباط على أن ردود الأفعال تجاه “مسيرة الإصلاح الكنسي” التي ينتهجها البابا تواضروس جاءت حادة، ومتسارعة لدى من تقلصت، أو أضيرت مصالحهم جراء منهج البطريرك، لكن “التيار العلماني” سيتصدى بحزم على كافة الأصعدة، وسيكشف عن رؤوس المؤامرة-على حد تعبيره- في لحظة لا تحتمل التخاذل في الدفاع عن الكنيسة”.

وينفي “بشاي” من زاوية موازية ميل “التيار العلماني” إلى ما أسماه البعض “تطبيلًا” للبطريرك الحالي البابا تواضروس الثاني، نافيًا ما يثار عن تصيد أخطاء سابقه البابا شنودة الثالث، مشيرًا إلى أن أمنيات التيار العلماني تبلورت في فتح قنوات تواصل مع ساكن المقر البابوي، وهو ما حدث إبان فترة البطريرك الحالي.

ويضيف: مجموعة العلمانيين الأقباط اتخذت مواقف داعمة من قبل للبابا شنودة الثالث، حيال أي منجز إيجابي للكنيسة، مستشهدًا بإعلانه عدم تعيين مستشارين للتحدث باسمه، وإقصائه من يتعمدون أخذ لقطات فوتوغرافية، أو مرئية يتاجرون بها.

المجلس الأعلى للكنيسة “أمنية العلمانيين المؤجلة”

اسحاق حنا

 وإلى جانب أطروحات التيار العلماني، أطلق  الناشط القبطي “اسحاق حنا” مقترح تأسيس ما يسمى بـ”المجلس الأعلى للكنيسة”، أملًا في الانتقال من مرحلة الشخص إلى مرحلة المؤسسة الكنسية. وحدد “حنا” عدة عناصر لمقترحه تضمنت ما يلي “اشتراك البابا، ومجمع الأساقفة، ومجمع العلمانيين، واللجان المعاونة للبابا في عملية الإدارة”، استنادًا إلى تخطيط، وقوانين، ولوائح منظمة، بجانب استحداث فكرة الدوائرة المتخصصة لمعاونة البابا، مع وضع نظام جيد لانتخاب ما يسمى بالمجمع العلماني “المجلس الملي سابقًا” بشكل إيجابي، على أن تكون الدوائر موزعة على النحو الآتي:- ” دائرة التعليم اللاهوتي، والمعاهد الكنسية المتخصصة، ومهمتها متابعة المعاهد المتخصصة، والإكليريكيات، ووضع المناهج، وفتح قنوات الاتصال مع المعاهد الأكاديمية المناظرة بالكنائس والجامعات الأخرى, والمعاونة فى تحضير المحاضرات والأبحاث التى يلقيها البابا البطريرك أو الأسقف، ومراجعة الكتب اللاهوتية، وإعداد المراجع الخاصة بالتعليم اللاهوتى والكنسي”.

وتحل ثانيًا دائرة التشريع والقانون الكنسي، ومهمتها مراجعة القوانين الكنسية، وإعداد المجموعات القانونية للكنيسة، وإعداد القوانين واللوائح المنظمة للإدارة الكنسية، واقتراح وبحث وإضافة التعديلات التى تقتضيها متغيرات العصر فى إدارة مؤسسة الكنيسة .

بجانب دائرة الطقوس والعمارة الكنسية، ومهمتها مراجعة وضبط الطقس، وشرحه وترجمته إلى لغات المهجر، وتسجيل الألحان بالطرق العلمية، والمساعدة فى ضبط وتقنين عمارة الكنائس، وإحياء وتوثيق التراث والفنون القبطية، ثم “دائرة الإعلام” ومهمتها تنظيم قنوات مخاطبة الرأى العام، والتعامل مع وسائل الإعلام، وإعداد البيانات الإعلامية الكنسية، و”دائرة الرعاية الكنسية”، ومهمتها دعم الرعاية الاجتماعية، والروحية، وإعداد الدراسات والنظم، والسجلات التى تحتاجها منظومة الرعاية بصورة متكاملة، وعلمية، وعملية .

يأتي ذلك بجانب دائرة العلاقات العامة، ومهمتها تعضيد الوحدة المسيحية بين الكنائس، والأنشطة المسكونية، والمدنية، والوطنية، وإعداد التقارير والبيانات والدراسات المتعلقة بالمجتمع العام والكنائس والأديان الأخرى، و” دائرة كنائس المهجر”، ومهمتها حصر الكنائس والأديرة، والتجمعات القبطية الأرثوذكسية بأفريقيا ودول المهجر والدول العربية، ومتابعة احتياجاتها وطرق تنمية الخدمة والرعاية بها،  وربطها بالكنيسة الأم، وتبادل الخبرات معها، وتضم فى عضويتها أساقفة المهجر، و”دائرة الديوان البطريركى” والسكرتارية، وومهمتها تنظيم أعمال إدارة الديوان البطريركى المالية، والإدارية والعامة، وتنظيم العمل الإدارى للبابا البطريرك .

وإلى ذلك يقول كمال زاخر منسق التيار العلماني القبطي: إن العلمانيين الأقباط ليسوا “جبهة”، وإنما هم داخل الكنيسة، دون وجود عداء مع القيادة الكنسية، لكنهم إذا وجدوا ما يستدعي التدخل يستعملون أدواتهم في التوضيح، والنقد، ويستطرد قائلًا:” لكن الفترة الحالية تشهد مساحة للصوت، وقنوات التواصل مفتوحة”.

،

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة