التكلفة البشرية لـ”نيوم” و”العاصمة”.. إزالة ذكريات الناس في مصر والسعودية

“إن عمليات تغيير وجه القاهرة القديم الجارية الآن، تستهدف في جانب منها إزالة الآثار المادية والنفسية التي تشكل حاجزًا أمام مستقبل سياسي لا يريد أي احتمال لانتفاضة أخرى؛ إذ لا يزال ظل ثورة 2011 في البنى التحتية المادية والنفسية باقيًا. ولهذا تم إخلاء ميدان التحرير، حيث تركزت احتجاجات العامين 2011 و2013، وتم ملؤه بالخرسانة والجرانيت الناعم، مع وجود الآثار الفرعونية في المركز وحراس الأمن بالمحيط”.

هكذا لخصت نسرين مالك، في مقال بصحيفة “الجارديان“، الوضع الراهن في القاهرة، التي تشهد عمليات تطوير، بدأتها الحكومة المصرية في العام 2020 داخل مقابرها العتيقة، ولا تزال متواصلة، تحت وقع حملات انتقاد واسعة يقودها معنيون بالتاريخ والآثار شارك بها مواطنون، يرون في عمليات الهدم التي مست قبورا لشخصيات تاريخية ومعالم أثرية محوًا لهويتهم الحضارية.

“مالك”، تقدم في مقالها تحليلًا للتكلفة البشرية لمشروعات المدن الكبرى في الصحراء بمصر والمملكة العربية السعودية. وترى في ربطها بين مشروع نيوم السعودي والعاصمة الإدارية الجديدة المصرية، أنهما موضوعان صاخبان يحملان الفكرة نفسها؛ التشييد بفكرة “الحداثة” التي تتخلص من رموز الأمة، ثم تجمعها في مفاهيم حول كفاءة الطاقة والابتكار والتكنولوجيا المتقدمة والاستدامة.”مالك”، تقدم في مقالها تحليلًا للتكلفة البشرية لمشروعات المدن الكبرى في الصحراء بمصر والمملكة العربية السعودية. وترى في ربطها بين مشروع نيوم السعودي والعاصمة الإدارية الجديدة المصرية، أنهما موضوعان صاخبان يحملان الفكرة نفسها؛ التشييد بفكرة “الحداثة” التي تتخلص من رموز الأمة، ثم تجمعها في مفاهيم حول كفاءة الطاقة والابتكار والتكنولوجيا المتقدمة والاستدامة.

نومهم الآن غير مستقر

تصف “مالك” منطقة الجبّانات التاريخية في القاهرة القديمة التي تقع على مساحة يبلغ طولها حوالي 7 كيلومترات، بأنها منطقة مترامية الأطراف من المقابر والأضرحة والمساجد الأثرية والساحات، تعود إلى القرن السابع تاريخيًا، وتُسمى أيضًا “القرافة”، وهي مليئة بذكريات أولئك المدفونين هناك، من عصور تاريخية مختلفة، وتعج بعشرات العائلات التي لا تزال ورث سكناها عن أجدادها من محدودي الدخل.

في عام 2020، بدأت السلطات فعليًا في هدم أجزاء من هذه المدينة لإفساح المجال أمام طريق سريع. الأمر الذي لا يزال متواصلًا ويهدد بمزيد من الهدم، الذي طال مقابر وأضرحة لرموز شهيرة في التاريخ المصري.

تنقل “مالك” عن حسين عمر -ثمانيني وهو أحد ساكني هذه القبور- دُفن أفراد عائلته لثماني أجيال متصلة بهذه المقابر: “لطالما أرادت أرادت الدولة المصرية السيطرة على التاريخ.. تزايد هذا بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة، والأمر يبدو وكأنه محاولة لمحو التاريخ.. هذا جزء لا يتجزأ من محاولات إبطال مطالباتنا بحقوق الملكية على هذه قطع الأراضي التاريخية تلك التي عشنا فيها أجيالًا بعد أجيال”.

اقرأ أيضًا: المجلس الأطلسي: مصر تقتل تاريخ مدينة الموتى

وتعلق بأنه “على الورق، يبدو الأمر مثيرًا للإعجاب. مدينة تعاني من عدد كبير من السكان، وتتركز تاريخيًا في مناطق قليلة من وسط المدينة والقاهرة القديمة الممتدة على طول نهر النيل، توسعت إلى الصحراء وشهدت تحديثات كبيرة. لكن، حقيقة الوضع تكمن في أن هذا التحديث يأتي على حساب التضحية بالتاريخ والمساحات الخضراء وحقوق الناس في الأرض والذكريات. وهنا، لا تصبح أماكن مثل منطقة القرافة التاريخية بوسط القاهرة القديمة مستودعات للتراث الثمين ومقبرة مقدسة، بل عقبة في موقع غير ملائم أمام الطرق السريعة التي تحتاج إلى البناء”.

ليس للتطوير فقط

تقول “مالك” إن قصة الثمانيني “حسين” ورأيه في عمليات الهدم التي تشهدها مقابر القاهرة التاريخية، ترمز إلى التحديات التي تواجهها العاصمة الجديدة شرق القاهرة، والتي تصفها بأنها نوع من التقاء دبي بميامي الهجين، وكلها زجاجية وزوايا وأجزاء مرتبة ومقطعة من العشب.

وهنا، تخفي عمليات التطوير وجهها الآخر المضحي بهوية وتراث القاهرة التاريخية، في سبيل تمهيد الطرق وتشييد الكباري التي تخدم المشروع الجديد في شرق العاصمة.

تنقل “مالك” عن الثمانيني “حسين” أن هناك “رغبة في القضاء على رموز العصر الليبرالي الأكثر تعددية. وهي محاولة لاختراع نسب للدولة والشعب المصري المعاصر، مع هدم وطمس أي نسب حقيقي يجمع الناس بأي روابط عاطفية لرموز تاريخية قديمة”.

المختلف في “نيوم”

تضيف “مالك” أن مدينة “نيوم” السعودية، وجه آخر للإسراف في رواية القصة الوطنية المخترعة.

فهذه المدينة الكبيرة التي يجرى تشييدها شمالي غرب البلاد تمثل إعادة صياغة للسعودية في شكلها الجديد، تحت إدارة جديدة أكثر ليبرالية من مثيلتها القديمة.

وهذا مكان يبدو في حملات العلاقات العامة وكأنه شيء يمكن عرضه على كوكب آخر في فيلم خيال علمي. حيث سيتمتع سكانها بمناخ مُدار سيكون معتدلاً في جميع الأوقات، مع حيوانات ونباتات خاصة بهم وقمر اصطناعي عملاق، بينما في الخلفية يخفي عمليات القتل خارج نطاق القضاء، ونزع الملكية واضطهاد أصحاب المطالبات بالأراضي.

لكن “مالك” تفرق بين مثل هذه المشاريع الخليجية وغيرها في مصر بأن عمليات الاستيلاء على الأراضي والتجديدات هذه لا تصبح قابلة للتطبيق إلا عندما يكون هناك نظام كبير من الإعانات التي يمكن للحكومات الغنية تمويلها لشراء الموافقة.

_________________________________________________

نسرين مالك، كاتبة عمود في صحيفة “الجارديان”، ومؤلفة كتاب “نحن بحاجة إلى قصص جديدة: تحدي الأساطير السامة وراء عصر السخط الذي نعيشه”.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة