بـ ١٠٠ انقلاب في نصف قرن.. كيف تٌغير التغيرات العسكرية من خريطة الهيمنة الغربية على إفريقيا؟

في وقت تستحوذ أنباء الانقلابات الأخيرة التي جرت في غرب ووسط إفريقيا على الساحة الإعلامية، فُتح الحديث عن تاريخ الانقلابات بشكل عام في القارة السمراء، والتي شهدت على مدار ٦٠ عامًا الماضية ما يقارب الـ ١٠٠ انقلابًا نجح أغلبيتها في الوصول للحكم وتغيير خريطة السياسة في بلد الانقلاب، ما يدفع إلى طرح سؤال حول تغير خريطة الهيمنة الغربية على مقدرات القارة الإفريقية

في الفترة من ١٩٦٠ إلى ٢٠٠٠، وصل معدل الانقلابات في إفريقيا إلى ٤ انقلابات سنويًا  بواقع ٨٢ انقلابًا، يتخللها فاصل من محاولات التحول الديموقراطي، وشهدت الفترة بين عامي 1990 و1996 وقوع انقلابات ناجحة في كل من تشاد ومالي وليسوتو وسيراليون ونيجيريا وجامبيا وبوروندي والنيجر، جاء بعضها بحجة إطلاق المسار الديموقراطي بينما جاء البعض الآخر لينهي ولادة أي مسار للديموقراطية، وفي الفترة من ٢٠٠١ الي ٢٠١٠ شهدت القارة السمراء 6 انقلابات ناجحة، وفي الفترة من ٢٠١١ الي ٢٠٢٠ وقعت 6 انقلابات أخرى، إضافة إلى 4 انقلابات شهدتها كل من بوركينا فاسو وتشاد ومالي وغينيا خلال ٢٠٢١-٢٠٢٢

التواجد الفرنسي وخريطة جديدة لإفريقيا

في مارس الماضي، وقبل انتخابات الغابون زار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الغابون وأدلى بتصريح أمام الجالية الفرنسية قائلا “انتهى عصر فرنسا الإفريقية هذا، وأحياناً يتكون لدي شعور بأن الذهنيات لا تتطور بوتيرة تطورنا نفسها عندما أقرأ وأسمع وأرى أنه ما زالت تنسب إلى فرنسا نوايا ليست لديها، لم تعد لديها”.

واعتبرت المعارضة الجابونية زيارة ماكرون ما هي إلا دعما لولاية جديدة للرئيس الجابوني علي بونغو الذي تم الانقلاب عليه منذ أيام قليلة.

سبق انقلاب الجاوبن، الانقلاب العسكري في النيجر والذي أنهى حقبة السيطرة الفرنسية في القارة الإفريقية، ويسطر تاريخًا جديدًا وخريطة جيواستراتيجية مختلفة للقارة غير ما مضى

بالتوازي مع ما يحدث من انقلابات عسكرية، تغير خريطة القارة، فإن جيلًا مختلفًا من السباب يكبر ويتطور، أكثر قدرة على القراءة النقدية لخطابات السياسة الخارجية الفرنسية.

وبالنسبة إلى التواجد الفرنسي، ففي مالي، كان ينظر إلى فرنسا على أنها المخلص، وتحديدًا بسبب دورها ضد الجماعات المتطرفة في الشمال الإفريقي عام ٢٠١٣، ولكن تراجع هذا الدور مع استمرار التمرد والتوترات السياسية، وأعرب قادة مالي بعد انقلاب عام 2020 عن استيائهم من سلوك فرنسا المهين.

وبالنظر إلى العلاقة بين غرب إفريقيا وفرنسا فهي علاقة معقدة بعمق في التحديات التاريخية والدبلوماسية المعاصرة ولها أبعاد تاريخية، إضافة إلى أزمة نهب الموارد الاقتصادية للدول الإفريقية، والمحافظة على علاقات مع قادة دول غرب إفريقيا بما يضمن استمرار النفوذ الاستعماري وبالمقابل تتوارى الأنظار عن فساد الأنظمة، وتضمن بقاءها في الحكم لمدد طويلة.

اقتصاديًا، تم تصميم الفرنك الإفريقي الذي صكته فرنسا عام 1945 للتحكم في تكلفة المواد الخام من مستعمراتها الإفريقية وحماية نفوذها الاقتصادي. وعلى الرغم من حصول هذه البلدان على الاستقلال، لا يزال الفرنك الإفريقي يهيمن على 14 دولة إفريقية.

وفي حين ينعم الفرنسيون بالكهرباء الناتجة عن الطاقة النووية المعتمدة على “يوارنيوم” النيجر، فإن النيجيريين يعتمدون على جارتهم الكبرى نيجيريا في الحصول على 70% من احتياجاتهم من الكهرباء. ليس هذا فحسب، تُعد النيجر محورية بالنسبة لمشروع خط أنابيب الغاز بقيمة 13 مليار دولار والذي يربط حقول الغاز العملاقة في نيجيريا بأوروبا. 

الدور الروسي في إفريقيا

بالرغم من استمرار الحرب الروسية الأوكرانية منذ فبراير الماضي، فإن روسيا لم تشح بناظرها عن الساحة الإفريقية، على العكس، اعتبرت روسيا القارة السمراء وخاصة الساحل أرضًا خصبة وساحة مفتوحه تستطيع من خلالها مد نفوذها وموازنة القوى مع الجانب الغربي والأمريكي، خاصة وأن الجانب الغربي يواجه صعوبات وتحديات كبرى في إفريقيا سواء من تصاعد النخب العسكرية الجديدة أو من التعبئة الشعبوية التي تتجلى في التظاهرات الداعمة لبعض الانقلابات ورفع الأعلام الروسية كإشارة لإنهاء النفوذ الغربي واستبداله بالقوي الروسية.

تتبنى روسيا خطاب التحرر من الإمبريالية الغربية وإنهاء هيمنتها على الجانب الإفريقي ونهب ثرواته، مستغلة التاريخ الاستعماري للدول الغربية، ما يعزز قبولها من الرأي العام هناك

تجلى الدعم الإفريقي لروسيا، خلال إقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية ساحقة في فبراير الماضي، قرارًا يدعو إلى “سلام شامل وعادل ودائم” في أوكرانيا ومطالبة روسيا سحب قواتها ووقف القتال. وخلال الجلسة، صوتت دول مثل بوتسوانا وزامبيا وتونس لصالح القرار فيما صوتت دول إفريقية أخرى مثل مالي وإريتريا ضد القرار مع امتناع 15 دولة إفريقية أخرى عن التصويت

كذلك خطاب إبراهيم تراوري، الرئيس الانتقالي لبوركينا فاسو، أمام قمة روسيا-إفريقيا الثانية التي استضافتها مدينة بطرسبرج الروسية في يوليو 2023. 

اعتمدت روسيا على مجموعة فاجنر (شركة عسكرية روسية خاصة) للوقوف في وجه الإرهاب في عديد من الدول الإفريقية، حيث تنتشر قوات فاجنر الأمنية في ٢٢ دولة إفريقية، وتزداد قيمة الاحتياج والاعتماد على خدماتها مع اضطراب المشهد الأمني الإقليمي.

وعلى المستوي العسكري، وقعت موسكو منذ عام 2017 أكثر من 30 اتفاقية للتعاون العسكري مع الدول الإفريقية مقارنة بنحو سبع اتفاقيات في الفترة بين عامي 2010 و2017، وتسعي للحصول على قاعدة عسكرية روسية في ميناء بورتسودان السوداني لتسهيل الحركة من العمق الإفريقي للمياه الدافئة.

صراع الهيمنة

أصبحت القارة السمراء ساحة للصراع بين مختلفي الأقطاب سواء من الصين أو تركيا وروسيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وحتى دول الخليج.

ومع تراجع الدور الأمريكي، ظهرت فرنسا في المشهد الأمني منذ عام ٢٠١٢ على إثر تصاعد التمردات الإرهابية، في حين اهتمت بكين بالجوانب الاقتصادية والاستحواذ على الموارد الطبيعية والتعدين والصناعة حتى أصبحت الشريك التجاري الأول لإفريقيا بعدما حافظت على هذه المرتبة على امتداد الـ12 سنة الأخيرة

وبلغت قيمة التجارة الثنائية بين الصين وإفريقيا، 187 مليار دولار في عام 2020، ثم سجلت نمواً قوياً، وتم إنشاء 25 منطقة صينية للتعاون الاقتصادي والتجاري في 16 دولة إفريقية، وجذبت هذه المناطق 623 شركة باستثمارات إجمالية قدرها 7.35 مليار دولار

فيما تشير تقارير إلى اهتمام بكين بالجانب الأمني في الساحل في ضوء المخاوف من تعرض استثماراتها للمخاطر بسبب التهديدات الأمنية في الإقليم. بينما عززت تركيا وجودها العسكري في المنطقة وخاصة في النيجر من خلال صفقات بيع الأسلحة مثل الطائرات المسيرة.

في الوقت ذاته، أعلن الاتحاد الأوروبي تسخير رؤوس أموال للاستثمار في إفريقيا على مدى السنوات السبع المقبلة، وذلك خلال قمة الاتحاد الأوروبي – الاتحاد الإفريقي التي انعقدت العام الماضي في بروكسيل.

وفي الأخير، فإن المحاولات الاستراتيجية للغرب والولايات المتحدة لن تحيد الساحل الإفريقي عن مسيرته تجاه موسكو وخاصة أن النخب العسكرية الجديدة التي ظهرت علي الساحة الإفريقية متشبعة بفكرة فشل الاستراتيجية الغربية.  

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة