لسان الحيوان في العامية المصرية

يقول فؤاد حداد في ديوان رقص ومغنى: “في عام 1963  نظمت الرقصات التسع الأولى من الدب إلى كتاكيت الفن يضاف إليها رقصة الجوافة في ختام الديوان”.

والرقصات هي “الدب والحمار الحزين والثعبان والديك والكلب والفار والنملة وطقطوقة فرقع لوز وكتاكيت الفن”.

وأيضًا قصيدة: “الدنيا مقبنة على قرن التور وطبال الغوازي ورقصة الست العجوز”.

تأتي بعد ذلك الرقصات الأخرى ” الحوت والنعامة والحمام والهدهد والديب والبغبغان ورقصة إبليس أو إبليس غرمان كما هي مسماه في الديوان،  إلى آخر رقصات الديوان”.

اعتقل فؤاد حداد ٨ سنوات من عمره على  مُددٍ متفرقة في الفترة من 1950 وحتى 1964، أطولها هي الأخيرة،  حيث كانت من 1959 وحتى 1964 وهي التي كتب خلالها الرقصات، في سجن الواحات الخارجة.

رقصة الكلب

“صاحب مزاج فلسفي

 فرحي ضعيف.. لأ عفي

 حزني حفيف.. لأ خفي”

اخترع فؤاد حداد أدواته بنفسه، فلا يشبه شعره شعر، ولا تجد لوصفه مثل، لم يهتم أحد بالحيوان في العامية المصرية سوى فؤاد حداد، فنظم ديوانًا كاملًا بعنوان رقص ومغنى، طرح فيه رؤية الحيوان للإنسان والحياة، تكلم بلسان الحيوان، ليس مجازًا، تحدث و كأنه كان هو في حياة أخرى، ومن أدواته التي أخترعها لنفسه هو استخدام إيقاع الكلام بما يلائم كل حيوان، لخلق صورة ذهنية عن الحيوان الذي يتحدث عن نفسه، فتجد الحيوان هو من يتحدث وليس هو،  فمثلًا في رقصة الكلب: تجد “الحاء” و “الهاء” هما مذهب القصيدة، تأتي “الحاء” مشدودة مرة و مفتوحة مرة وساكنة مرة اخرى،  فتتبادر إلى ذهنك صورة كلب يهمهم ويلقي قصيدة فينبح ويلهث ويركض.

 يقول الكلب المحب:

“عصعوصي فك وديلي متلحلح

زي الفطيرة قلبي يترحرح”

ويقول الحنون:

“أنا كالبكا كلب

أما قافية القلب

دمي انحلب حلب

 من فرط حنيتي”

ويتحدث أحدهم غاضبًا ثائرًا:

“لاهث ولاحس

وارحموني يابشر لاحسن

انا من انتهيت من كفكم لحسًا”

ويستنكر  آخر نظرة الإنسان له فيقول:

“في ابن اليتيمة جنسنا

ياجنسنا..

يا اللي شتيمة في جميع الألسنة!”

وهنا يصف الكلب نفسه فلا يعرف الكذب:

“أنا خل ضل وفي

في الخير وفي

وفي

والشر برضك وفي”

رقصة الدب “أنا أخوك الدب… منيش الديب”

“طـلـعــت أدبّ نــزلـــت أدبّ

وطـالـع نــازل اقـزقـز لـب

أردبّ أَرَدِاب

أرنب أرانْبّ

دا كـُله د اكله في بطن الدبّ

وكمـثل الـدبّ كمـثل الــدّبّ

يجُب في جُب يعّبي في عبّ

طلعـت أدب نـزلــت أدبّ”

أما في رقصة الدب، تجد إيقاعها قصير مقتضب، يناسب وزن الدب تمامًا وحركته، كما هو واضح في الأبيات السابقة.

 يحكي الدب حكايته التي أكل فيها صاحبه، بالطبع هي ليست تلك الحكاية الساذجة عن الدبة التي قتلت صاحبها، فالحياة أقسى من ذلك، أو كما قال صلاح عبدالصبور:  “هذه حكاية يلتذ بها الشعراء الحمقى والوعاظ الاوغاد، حتى يخفوا بمبالغة ممقوته وجه الصدق القاسي”.

لاحظ هنا أيضًا  في الأبيات التالية، استخدم “الجيم” المشددة لينقل لنا صوت وحركة الدب من خلالها.

“الـعــالـــم ماله؟ الــــــعــالـــم وَجّ

قــــال كـلــت حـبــيـبك؟ كلته ياحْاج

ويــا حـبــيـبي كان طـعـمـك فـــَــجّ

إنْ كـنـت حـبـيـب انا بـرضـــه مُحبّ

طلعت أدب … نزلت أدب”

يأكل الناس بعضهم بعضًا كل يوم حتى تجف ألسنتهم، لكن من يملك شجاعة الدب ليعترف بذلك، بهذه البساطة “آه كلته ياحج”، ويقول فؤاد في سياق آخر”الناس بتاكل بعض مش واكل”، من يملك صبر وجلد فؤاد ليُضرب عن هذا الطعام، ليصبر على الجوع الأكبر ولا يأكل، حيث يردد الناس كل يوم: “الناس بتاكل بعض، بسم الله الرحمن الرحيم”.

رقصة الفار “في قلبي كلاكيع لغم ونغم”

“خاين؟ ..لأ

خايب؟.. لأ

خايف؟ .. آه”

يحكي الفنان محمود حميدة أنه كان جالسًا مع الأستاذ خيري شلبي، فقرأ عليه الأستاذ قصيدة “رقصة الفار”، التي لم يسمع بها حميدة من قبل، ولم يسمع حتى عن فؤاد حداد نفسه، فاستنكر عليه شلبي ذلك ووبخه، ويسترسل حميدة فيقول: أنه لم يتذوق شعرًا في حياته قبل ذلك، حيث قام من هذه الجلسة على مكتبة مدبولي، ليشتري الأعمال الكاملة لفؤاد حداد، ومن بعدها صار يشتري نسخًا ويهادي به الناس في الشارع أو على حد قوله “بوزعه لوجه الله، على مخاليق ربنا”.

كما تحدث الكلب عن الحب والحنان، والدب عن الرقة والشجاعة والبطش، هنا يحكي الفأر في قصيدة “رقصة الفار” عن الخوف “ملك الإحساس” كما سماه، وهو أجدر من يحكي تلك الحكاية، ومع ذلك هو أكثرهم حركة وحماسة وخفه، حيث أنه يضرب الحماس في الأحداث ومذهبه في الحياة: “الحركة بركة”، ورغم أن الخوف لايفارقه أبدًا، إلا أنه أحيانا يمشي مختالًا ويقول: “توجني ملك .. بارك للأرض وباركلي.. الحشرات سبعتشرات تحت رجلي”

ويقول في الختام:

“أنا مش طالع أبيع جرانينْ بالْليلْ

انا طالع آكل أقرض أنتش أنتشي

واضرب الأخماس في الأسداس

أضرب الحماس في الاحْداث

الحركه بركه

سكرانْ؟ يمكن سكرانْ، خايف؟ أيوه خايف

وسلام على الخوفْ مَلِكْ الاحْساس

سلام عليه متراس

وسلام عليه فرّاس

سلام على الفار اللي بيلْعب في عب الفار اللي

بيلْعب في عبّ الناسْ”

هنا يتوج الخوف ملكًاعلى عرش الإحساس، ليس عند الفأر وحده إنما لدى الإنسان أيضًا، الخوف هو المسيطر الأساسي على كل شيء،  فيحتل دوافع الإنسان كلها، بل يصير هو الدافع عند البعض، فهناك من يعتزل الناس لأنه خائف منهم، وهناك من يقترب منهم ليجد الأمان الذي يبحث عنه لأنه خائف من الوحدة، الخوف هو من يجعلك لا تنجب أطفالا في بلد ما أو في ظروف ما لأنك تخاف عليهم من هذا العالم ولا تستطيع حمايتهم أو حتى توفر لهم الحد الأدنى من الحياة، الخوف هو الذي يجعلك تستمر في علاقة تستنزفك كل يوم لأنك خائف من الإنفصال، أو تخاف أن تبقى وحيدًا، وهو نفسه الذي يجعلك تنهي علاقة ما لأنك خائف من النتيجة التي ستصل لها، فتكتفي بهذا القدر.

 اختصارًا وباختزال مخل، الخوف هو من يجعلك في حيرة من أمرك وأنت تختار، من أبسط الخيارات إلى أعقدها، فمثلا: عندما تريد أن تختار شيئًا ولكن يتملكك الخوف أن يصبح هذا الشيئ سيئًا، هذا الشيء من الممكن أن يكون بطيخة أو إنسان.

يقف الفأر متاملًا ناظرًا إلى الدنيا متقمصًا شخصية عبدالملك زرزور:

“ســاقطه قدامي ومن غير غشّ أراها

دنــــيا تفـــاحَه زباله مقشراها

مــــن شراها باعها من باعها شراها

بــسّ قـــــولـــــوا يـــــــــــــادراوشهْ

رقصــــى إســـــــمه دوشـــــه روشهْ

أو مناوشه

أو شراههْ”.

لم يسعني هنا أنا أعرض القصائد كاملة وحتى لا تكون بعض الاختزالات مخلة بمعناها، أدعوك لقراءة القصائد.

اقرأ أيضاً: السقا مات.. فلسفة الموت والحياة

2 تعليقات

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة