الإنصات.. ثقافة غير موجودة وفن لو تعلمون عظيم

لفتني في رائعة وحيد حامد “اضحك الصورة تطلع حلوة” أحد المشاهد التي تعبر عن حالنا جميعًا، عندما قال العظيم أحمد زكي مخاطبًا ليلى علوي: “بعد اللي حصل النهارده كنت محتاج حد أتكلم معاه، أتكلم معاه ويسمعني، يطيب خاطري لما أكون متضايق، يسمّعني كلمة حلوة لما أعمل حاجة صح، سنين طويلة وأنا مش لاقي حد أتكلم معاه يستريح لي وأستريح له، علشان كده لقيت نفسي جيت هنا من غير ما أحس”.

لا أستطيع أن أحصي عدد المرات التي أقرأ أو أسمع فيها هذه الكلمات، أتمنى أن أتكلم.. أريد أن أنفّس عما بداخلي، أبحث عن شخص يستمع إلي، لا أحد يفهمني، أنا نفسي أفضفض من غير أحكام!

كلنا نقولها وجميعنا يتمناها، ألسنا نعيش في دوائر من الضغوط والأعباء والصدامات والصراعات؟ ألا نتعثر في خيبات الأمل والخذلان والغدر والفقد؟ ألا يصدمنا الواقع يوميًا بما لم نتوقعه؟ ألا تتشتت أفكارنا مئات المرات وتشتتنا حتى نكاد نجنّ؟ ألا يؤلمنا ذلك السر؟ ذلك الخطأ الذي اقترفناه ويعذبنا أن يبقى بداخلنا دون أن نخبر به أحدًا؟ كاذب من قال إنه لا يحتاج للتحدث.. صادق من قال إنه لا يوجد من ينصت.

لا أقصد التحدث عن الاستماع.. فالمستمعون كُثُر والفضوليون أكثر، و”الإسقاط” و”الجَلد” أصبحا وجهان لشخص واحد، إنما أتحدث عن الإنصات، أن تلتفت بوجهك وتنتبه بحواسك وتتوحد بمشاعرك مع المتحدث إليك، أن تضع نفسك موضع ذلك المسكين الشاكي الباكي المختنق بهمومه أمامك.

نفتقد حقًا لثقافة الإنصات في مجتمعنا رغم أنها واحدة من أهم وأقوى وسائل التواصل الفعال في أي مجتمع، سواء على مستوى الأسرة الصغيرة، العائلة الكبيرة، الجيران والشارع، العمل والزملاء، الأصدقاء والأحباء، كَبُر سنهم أو صغر فالكل يحتاج إلى أن يتكلم حتى يحدث “التواصل” بالأساس.

لكن الإنصات مهارة قلما يوليها الناس اهتمامًا في عالمنا النرجسي الذي يفتح أبوابه لمن عاش لنفسه فقط، فهذا يقاطعك غير مكترث بك، وذاك يزايد عليك، هذه تستمع لتصل لما تريد معرفته فقط، وتلك تنهال عليك بالأحكام والتنظير.

وهنا تحدث خسارات كثيرة، فكل ذلك يجعل الراغب في التحدث يفكر ألف مرة قبل أن يتكلم، وماذا سيستفيد من التحدث إذا لم يُفهم؟! إذا لم يجد من يشعر به ويحتويه أو على الأقل يتركه يتحدث؟ ستتباعد المسافات وتتمزق العلاقات، سيحكم الجفاء ويكون سيد الموقف دائمًا، كيف سنعيش إذا لم نتعلم كيف نتواصل؟!

ستكون حياتنا أجمل وأسهل حقًا إذا تعلمنا كيف نصغى، كيف ننصت للطرف الآخر، أن نترك له المساحة ونعطيه الأمان التام بأن يعبر عن مشاعره ويشارك أفكاره ويقول رأيه ويشرح أسبابه ودوافعه، أن يحكي ألمه ويبوح بأعمق أسراره دون أن يضطر إلى قتلنا في النهاية، أن ننصت باهتمام، بتعاطف أو ابتسام، فذلك الوقت ليس لك بل للماثل أمامك.

ننصت حتى نفهم، كي تتضح الصورة ويصل المعنى بشكل صحيح، كي تتوطد العلاقة وتقوى، حتى نكون أكثر حكمة ولباقة ولطفًا، ننصت كي يحبنا العالم، ننصت.. حتى نجد من ينصت لنا..

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة