الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان.. تحديات وآمال

0
148
Google search engine

أطلق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الاستراتيجية الوطنية الأولى لحقوق الإنسان في نهايات عام 2021، والتي تهدف لتعزيز الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية داخل البلاد، وتعد أول استراتيجية ذاتية متكاملة وطويلة الأمد في مجال حقوق الإنسان في مصر، إذ تتضمن تطوير سياسات وتوجهات الدولة في التعامل مع عدد من الملفات ذات الصلة بحقوق الإنسان، والتغلب على التحديات في هذا الإطار.

تستند رؤية الدولة المصرية لحقوق الإنسان على عدد من المبادئ الأساسية، أبرزها أن كافة الحقوق والحريات مترابطة ومتكاملة، وأن هناك ارتباطًا وثيقًا بين الديمقراطية وحقوق الإنسان، مع أهمية تحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات، وبين حق الفرد والمجتمع، وضرورة مكافحة الفساد لضمان التمتع بالحقوق والحريات. وتتضمن الاستراتيجية المصرية أربعة محاور رئيسية، وهي أولًا الحقوق المدنية والسياسية، ثانيًا الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية،  وثالثًا حقوق المرأة والطفل وذوي الإعاقة والشباب وكبار السن، ورابعًا التثقيف وبناء القدرات في حقوق الإنسان.

اتخذت الدولة بعض الخطوات لتنفيذ الاستراتيجية وتحويلها إلى واقع داخل الدولة المصرية، بدأت بإلغاء مد حالة الطواريء بقرار من رئيس الجمهورية، وإحالة أربعة مشاريع قوانين لمجلس النواب لإقرارهم، وهم قانون الزواج المبكر وقانون حماية المسنين وقانون تسوية المنازعات التجارية والمدنية، بالإضافة إلى بعض التعديلات في قانون العمل، وكذلك القرار الوزاري بتشكيل اللجنة التنسيقية الجنائية للأطفال، وتفعيل لجنة العفو الرئاسي، التي بدورها ساعدت في الإفراج عن العديد من سجناء الرأي المحبوسين احتياطيًا، ونشطت اللجنة الرئيسية لتقنين أوضاع الكنائس والمباني الخدمية التابعة لها، وغيرها من الخطوات الجيدة، لكنها لا تؤثر بشكل كبير على ما يعانيه المواطن المصري فيما يخص ملف حقوق الإنسان والحريات العامة والشخصية.

وبرغم الشعور برغبة مؤسسات الدولة في تنفيذ الاستراتيجية وإنجاحها، لا يزال هناك تحديات عديدة تعوق تحقيق أهدافها، أهمها غياب خطة عمل تنفيذية مصحوبة بجدول زمني محدد، حتى يتسنى للمراقبين والمتابعين قياس الأهداف والنتائج المتحققة، أو إلقاء الضوء على ما تم إغفاله أو الفشل في تحقيقه وأسبابه حتى يتم العمل عليه بطريقة أخرى لإنجاحه، وكذلك عدم وضوح البيانات الصادرة عن اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان، مما يجعل الرؤية غير واضحة لمنظمات المجتمع المدني والمهتمين بمتابعة عمل اللجنة وطرق تنفيذ الاستراتيجية، كما يفتح المجال لتداول المعلومات والنتائج بشكل غير صحيح.

أحد أبرز المشاكل التي تعوق تنفيذ الاستراتيجية الوطنية بطء استجابة مجلس النواب في تشريع القوانين المعنية بتنفيذ أهدافها، فعلى وجه التحديد استهدفت الاستراتيجية تشريع وتعديل 33 قانونًا لم يصدر منهم أي قانون حتى الآن، كما أن هناك بعض القرارات التنفيذية التي تتخذ بمبدأ «التأشير عكس خط السير»، والتي طالما عانينا منها في فترات سابقة، كالقرارات الصادرة في مارس الماضي من الإدارة المركزية للشئون الفنية للمجالس ولجان قطاعات التعليم الجامعي بوزارة التعليم العالي إلى رؤساء الجامعات، وتنص على إلغاء مادة حقوق الإنسان بالجامعات المصرية، واستبدالها بمادة «قضايا مجتمعية»، في تناقض كبير مع أهداف الاستراتيجية الرئيسية، وهي التثقيف وبناء القدرات في مجال حقوق الإنسان.

كما تنص الاستراتيجية الوطنية على أن اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان هي المنوط بها متابعة وتقييم الرؤية التي ترتكز عليها الاستراتيجية وصولاً إلى النتائج المستهدفة، وذلك عبر التنسيق والتشاور بين كافة المكونات المؤسسية لحقوق الإنسان، بما في ذلك المجتمع المدني، إلان أنه وبعد مرور عام على إطلاقها لا يوجد حتى اليوم آلية مؤسسية محددة وواضحة لمتابعة وتقييم التنفيذ، فضلًا عن تباطؤ بعض الوزارات في إنشاء وحدات لحقوق الإنسان داخل دواوينها، مثل وزارات التجارة والصناعة والصحة، وهي وزارات من أولى اهتمامتها حقوق المواطنين وتأهيل الموظفين بالمستشفيات والقطاعات التجارية للتعامل مع المواطنين.

وتتجلى التحديات الواقعة أمام تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في إغلاق المجال العام، وعدم تمكين المجتمع المدني بمفهومه الواسع، بما فيه الأحزاب السياسية، أن يكون شريكًا رئيسيًا في تنفيذ النتائج المستهدفة منها، سواء من خلال اقتراح مشروعات القوانين، أو الوصول الى الفئات المستهدفة الواقع عليها الضرر، والتي تسعى الاستراتيجية لتحسين أوضاعهم المعيشية بشكل عام، وكذلك ما يستطيع المجتمع المدني تقديمه بالمشاركة في التثقيف وبناء قدرات المواطنين في مجال حقوق الإنسان، من خلال المبادرات والتدريبات وغيرها من الأنشطة. وبدخول العام الثاني للاستراتيجية، يجب توضيح خطة العمل التنفيذية، ووضع آلية واضحة للتعاون والتشاور بين الحكومة ومنظمات المجتمع المدني، وتعديل قانون الحبس الاحتياطي بما يضمن عدم تحوله إلى عقوبة تفرض على المتهمين، وكذلك صياغة قانون حرية تداول المعلومات والبيانات المتسقة مع الدستور المصري. تعد هذه القوانين حجر الزاوية من أجل تحقيق أهداف الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، ومن دونها يتم تكبيل المشروع ككل.

مصدرشادى العدل
المقالة السابقة«أنتي قادرة على التحدي»..  من قلب المعاناة 3 نساء قررن التحدي حتى غيرن مجتمعهن
المقالة القادمةفي “اليوم العالمي لحقوق الإنسان” الصحافة في مصر بين المنع والحجب والحبس

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا