فوضى أفكاري

0
112
Google search engine

إنها الساعة الثانية بعد منتصف الليل، الآن يبدأ وقت الأفكار ومراجعة مشاعر أحاول إخفائها نهارًا، كم مؤلم أن تتجمل بقناع الحياة وداخلك ميت!

الآن سنبحر في رحلة قصيرة في فوضى مشاعر أنثى تقترب من منتصف الثلاثينات، ولا تعلم ما ستؤول إليه أمور الحياة. هي التي اعتادت على إخفاء آلامها حتى أصبحت الآن تجيد الحكي عنها بطابع من السخرية والكوميديا. إذا أردت الكتابة عن ما أشعر به سنحتاج جميعًا إلى طبيب ليصف لنا كيف ننجو من فوضى المشاعر. سأستثمر في نفسي وأفكاري الآن، ونتعرف علي ضيوف ليلتنا.

لنبدأ ببطل قصتنا الرئيسي:

الخوف

هل الخوف من العقاب هو السبب وراء التزامنا بالقواعد؟ أم وضعت القواعد حتى تُخترق؟

فالحقيقة في طفولتي غير السعيدة كان الخوف من العقاب هو سبب كوني مطيعة، لكن مع مرور الوقت اكتشفت متعه خرق القواعد وإلافلات من العقاب، فهنا تكمن متعة غير مبررة أشعر بها، بالإضافه إلى أن كثره العقاب تخلق اعتياده، فاعتدت العقاب وصار الخوف بالنسبه لي شعور لا يزورني إلا عندما يغزو المرض أجساد أحبائي.

صادقت خوفي من المجهول، واتخذته رفيقًا لدربي، لا نمل من بعضنا أبدًا. أصبح الخوف هو صديقي الأقرب الآن، والحامي لكل مشاعري الأخرى، اختبرت الخوف من الخذلان، واختبرت الخوف من أشباح الماضي، والخوف من الزمن، والخوف من كل شيء. وكلما زادت الأشياء التي أخاف منها اعتدتها وصادقتها، فمن اعتاد الخوف مثلي يظن أن الأمان فخ.

القلق

وللخوف صديق دائم لا يأتي من دونه وهو القلق. القلق هو الفعل الناتج من الخوف، هو الذي يجعلك تستيقظ كل ليلة لتتأكد إذا ما زلت على قيد الحياة، هو الذي يحاوطك بهالة من الحذر تجاه الجميع، فالجميع مذنب حتى يثبت العكس، والجميع مخادع يجب الحرص منه مهما كانت أفعاله.

كان يزورني القلق دائمًا، يحيط برأسي وكأنه يد تحمل مطرقة، كلما غفا عقلي قليلًا سقطت المطرقة على فصوص مخي لتوقظه. أشعر أن هناك جزءًا بعقلي يسمى مركز القلق، يرسل نبضات توقظني ليلًا لأتأكد أني أوصدت الباب جيدًا، وأن جارنا لن يقتحم الباب عنوة، مدعيًا أنه لم يفعل شيئًا، وأن جارتي لا تراقب موعد عودتي من العمل.

إن كان للخوف ذراعين فهما القلق.

الوحدة

هل شعرت من قبل أن وحدتك هي الحل الأمثل لجميع مشاكلك؟

الوحدة هي الضلع الثالث في معادلتي. إن كان القلق هو ذراع الخوف فالوحدة ساقه، وإذا أردت أن تتجنب المشاكل والمغامرة فعليك أن تعقد صداقة مع الوحدة، صداقة قوية تجاري ثنائية الخوف والقلق.

أشعر هنا بضيف جديد يقترب مني، إنه الاكتئاب. يقترب الآن من أذني ويهمس: حتى وأنت وسط الجميع حزينة، وعندما تحاولي وتقاومي وتصري على الذهاب في مقابلات يكون جسدك فقد هو الحاضر، بينما روحك مهاجرة.

أستسلم وأغمض عيني، وأقول لنفسي: الوحدة جميلة فلا تعكري صفوها بالحضور الباهت.

الخوف.. القلق.. الوحدة

ثلاثة أضلاع، مثلث أحمله فوق ظهري وأنا أعدو في الحياة. أعلم أنها مشاعر سلبية لكنها تحميني، أريد أن أتخلص منها لكنني للأسف قد ألفتها واعتدت عليها، فالخوف يلجم تهوري وقراراتي غير محسوبة العواقب، والتي اعتدت اتخاذها في العشرينات، والقلق يحميني من أن أغفو مطمئنة، ويجعلني أكثر حذرًا تجاه الجميع، فلا يستطيع أحد أن يؤذيني. أما الوحدة فهي درعي الحامي من افتقاد وفراق من اهتممت لأمرهم يومًا.

أنا الان أكثر سعادة أو أكثر تعاسة، لم أعد أكترث فقد صارت الجملة الأقرب والأحب إلى قلبي «وماذا سيحدث أكثر مما حدث؟!». فقد حدث الأسوأ ذات يوم، ولم يعد الأكثر سوءًا يبهرني، فلدي مثلثي يحميني.

أتخيل في بعض الأوقات أنني أحلق فوق جموع البشر، أشاهد العديد من الحكايات والقصص التي لا حصر لها، أتعلم ما القاسم المشترك بينها جميعًا؟ ذلك المثلث سالف الذكر. فالجميع يخاف، الجميع يقلق، الجميع يشعر بالوحدة بنسبة مختلفة، الجميع يحمل على كاهله مثلثه الخاص، لكنني هنا أبحث عن مكان أترك فيه هذا المثلث وأبتعد بعيدًا عن كل شيء.

مجبرة أنا على تحمل كافة الضغوط، وكوني امرأة يجعل الضغوط مضاعفة، أطنان من الأحمال والضغوط تعكر أيامي، أشعر وكأنني امرأة ستينية لها روتين خاص، تذهب إلى العمل وتكافح ضغوط العمل، وفي طريق العودة تكافح وتزاحم غيرها بالمواصلات العامة، لتعود لمنزلها تواجه وحدتها، ثم تبحث عن ذاتها يوميًا في الساعة الحادية عشر مع نغمات وصوت أم كلثوم، وتفكر في السؤال الأزلي، الذي لا إجابة له: إلى متى سيستمر كل هذا العناء؟ وإلى متى سنستمر في السعي ونحن لا نصل أبدًا؟

والآن يزاحم سؤال جديد فوضى رأسي، وهو هل سنصل يومًا ؟! هل هناك من وصل من قبل؟ وما هي جهة الوصول؟

تتزاحم الآن الأفكار في ذهني أكثر، وتزداد التساؤلات، هل هناك من يمكنه العيش بلا مخاوف؟ بلا قلق؟ بلا انتظار لما هو أسوأ؟ هل هي متلازمة الحياة أم هو دائي أنا فقط؟!

بالسابق كنت أقول دائمًا أن لكل شخص رسالة، عندما تنتهي تنتهي معها حياته، وأنا أشعر أنني أنهيت رسالتي، فمتى يمكن أن أستريح؟ وهل سأرتاح؟ وهل بلغت محطة وصولي؟ أم كُتب علي الترحال بلا نقطة وصول؟!

إذا كنت ممن استطاعوا الوصول يومًا فجاوب أسئلتي، وإذا كنت من الباحثين مثلي ووجدت إجابات شاركني، وإذا لم تجد فلنبحث سويًا، أو لنمكث معًا نشاهد نهاية العالم من حولنا، وكل منا يحمل مثلثه الخاص.                                                                                                                                                                                                                                                                                       

مصدرأميرة الجهيني
المقالة السابقةبينها التنمر والحرمان من الميراث.. أنواع العنف ضد المرأة
المقالة القادمةمشهد في نص حكاية (الاستيقاظ)

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا