رسالة “أمير الغيلان” لعلاء عبد الفتاح

0
1154
Google search engine

أكتب إليك يا صديقي فأنت وحدك من يعلم حقيقتي ومن أكون، الآخرين يظنون أني مجنون لا أكثر، ولهم كل الحق، فمن يصدق أن الأمير الغول سجين إحدي السجون المصرية بسبب خطأ فني، فأحدهم يدعى «أمير سيد الغول» كتب بوست علي فيسبوك فقُبض علي بسبب تشابه الأسماء. أقسمت لهم أني أمير فعلًا لأن أبي هو ملك وسيد وادي الغيلان، وأني غول بالمعني الحرفي، وأن سبب تمثلي في هذه الهيئة البشرية هو هذا الكم الهائل من الحديد الذي يستخدمونه في كل شيء من حولي، وها أنا الآن بعد أن فشلت في إقناعهم أقضي عقوبة السجن. أنا أمير وادي الغيلان في سجن بشري، بسبب بوست على فيسبوك وسبحان الله المعز المذل..

بعد هذا العمر تعلمت الصبر قسرًا، وأتقنت أساليب الانتظار، فلا جدوى من الغضب، وشفيت من مرضي المزمن «السأم»، بعد أن سأمت من السأم وسأمت من وصف السأم، وتعلمت أن لا جدوى من ماضي لا يمكن الوصول إليه، أن تكون صعلوكًا طفيليًا بلا قيمة، أو أن تكون فارسًا صائدًا لتنانين الجحيم، لا فرق كلانا أسرى هذا القبح الحديدي من حولنا، كل إنجازاتنا بلا قيمة، فكل شيء غير قابل للتقييم والاختبار دون الحرية.

تخيل يا صديقي أن «خواكين رودريجو» بعد أن أنهى تحفته «مون امور» عزفها لمرة واحدة أمام المقبره فقط للموتى، أو أن «فكتور هوجو» بعد أن أنهى روايته «البؤساء» أهدى نسختها الوحيدة لخرساء ملت الحياة ولم تعد تغريها القراءة. كل إنجازاتنا دون الحرية هباءً منثورًا.

في خطابك السابق سألتني لماذا أعظم وأنبل الحيوانات قابلة للاستئناس كالأسود والنمور والأفيال الدببة، أما وعلى العكس لا يمكن استئناس أحقر وأحط الحيوانات كالضباع والأفاعي والزواحف والهوام؟!

لماذا يمكن الانتصار على الكبرياء والعزة ولا يمكن الانتصار على الحقارة والدنائة والانحطاط؟

وأعلم مغزى سؤالك، وأنه نتاج قضائك الليالي والأيام تنسج من الجدائل والشهور سنوات عمرك الضائعة وخوفك من أن تستأنسك القضبان الحديدية اللعينة التي تفقدنا سحرنا يا صديقي، ولكن وسط هذا التيه دع صديقك العجوز أمير وادي الغيلان يجيبك بحكمة ما حياة من دهور وما أبلاه من قرون.

كيف نسلب العزة من ضبع؟

كيف نعلم الخضوع لراكع يزحف على بطنه؟

فقط من لديه، يا صديقي، هو من يمكن حرمانه، ونحن نملك لذا نشعر بمرارة السلب

دعهم يحتفلوا بما سلبوا، ويتفاخروا باستئناس الغيلان

كما تقول الأسطورة ستعود سيدتي العنقاء

سيحجب جناحها نور الشمس وستصرخ فتسقط القضبان وينتهي هذا العصر الحديدي

حينها سيذوب الزيف

والغول لن تحجزه قضبان

والضبع لن يدعي الشرف ولن تدعي النعاج العزة

صدقني ستعود سيدتي العنقاء

                                                                                                    صديقك

أمير وادي الغيلان

أحد السجون المصرية                  

مصدرأحمد ماهر ( ريجو )
المقالة السابقةورقة بحثية لـ«حرية الفكر والتعبير» عن وضع تداول المعلومات بخصوص أوضاع أماكن الاحتجاز
المقالة القادمةشجاعة صحفيان وراء اختيار 2 نوفمبر يومًا لإنهاء الجرائم ضد الصحفيين

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا