بين حصار المجتمع المدني وانفراجة الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان

0
167
Google search engine

محمد السعيد

صباح الحادي عشر من شهر سبتمبر عام 2021 أطلق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، وفي خضم ذلك أعلن الرئيس السيسي عام 2022 عامًا للمجتمع المدني، داعيًا إلى مواصلة العمل جنبا إلى جنب مع مؤسسات الدولة المصرية، لتحقيق التنمية المستدامة في كافة المجالات، ونشر الوعي بثقافة حقوق الإنسان، مساهمة في تحقيق آمال وطموحات الشعب المصري.

بداية إذا نظرنا إلى تشكيل اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان برئاسة وزير الخارجية المصري التي تولت إعداد هذه الإستراتيجية بالمشاركة مع عدد من منظمات المجتمع وعدد ليس بالكبير من الحقوقيين المصريين، سنجد أن قرار تشكيلها الصادر عن رئيس مجلس الوزراء، رقم 2396 لسنة 2018 وهي لجنة معنية بالرد على الانتقادات الدولية التي توجه لمصر في المحافل الدولية (وليس داخل مصر)، يترأسها وزير الخارجية (المادة 2)، ويتولى أمانتها قطاع حقوق الإنسان والمسائل الإنسانية والاجتماعية الدولية بوزارة الخارجية (مادة 6).

والهدف من تشكيل اللجنة بحسب المادة الأولى من القرار هو“ الرد على الادعاءات المثارة ضد جمهورية مصر العربية بشأن حقوق الإنسان”.

أما اختصاصات اللجنة (المادة الثالثة بند ١) فهي وضع استراتيجية وطنية لحقوق الإنسان وصياغة رؤية مصرية موحدة للتعبير عنها في المحافل الدولية والإقليمية (وليس في الداخل)، ورصد ودراسة ومعالجة المشكلات المتعلقة بحقوق الإنسان المثارة على الصعيد الدولي –وليس المحلي– وإعداد الردود على الادعاءات المثارة (بند 3).

أرى أن هذه الاستراتيجية ركزت على ما تعهدت به الدولة المصرية أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف والتزاماتها أمام اللجان المختصة، ذلك أن الاستراتيجية لا تسعى فقط إلى تحسين أوضاع حقوق الإنسان المصري في الداخل، ولكن للتواصل أيضا مع المجتمع الحقوقي والمؤسسات الدولية في الخارج، وهنا نقف أمام معضلة أكبر لابد من حلها والتوافق عليها، وهي قانون الجمعيات.

قانون 84 كان من المفترض أن ينظم العمل الأهلي ويفسح المجال للمنظمات والجمعيات للعمل بحرية، لكنه كان على العكس مقيدًا، وطالب الجميع بتعديله حتى صدر قانون 70 لعام 2017، وللأسف هذا القانون أيضا كان غير كافي لتلبية الاحتياجات وتطلعات المجتمع المدني وأوجد حالة من السخط وكان مقيدًا لعمل المجتمع المدني والمنظمات، وكانت الخطوة الأخيرة حين أعطي الرئيس توصياته بإعادة النظر في هذا القانون وفتح حوار مجتمعي بين البرلمان والمجتمع المدني والحكومة وأصحاب المصلحة والجهات المانحة والسفارات واستمرت هذه المناقشات أكثر من عام، تم إقرار قانون 149 لعام 2019 ونحن على ما عليه الآن، بالتأكيد به بعض التناقضات وبعد المواد المقيدة لعمل المجتمع المدني، ولكن بعد خروج الاستراتيجية إلى النور والبدء في تنفيذها، على الطرفين أن يقوموا بالتحاور والنقاش والتواصل مع أعضاء البرلمان المعنيين لتنفيذ دورهم المنوطين به وهو مراقبة أداء الحكومة وتكليفات الرئيس فيما يخص الاستراتيجية وتوصيل مطالبات المجتمع المدني إلى صانعي القرار، طالما أن هناك فرصاً متاحة للتعديل والنقاش وأن يضع الطرفين المصلحة العليا للمواطن وإيمانهم أن عملهم سوياً في مصلحة الجميع.

على الهامش لدينا مشكلة مازالت قائمة في الحبس الاحتياطي أو في تحسين الأوضاع الخاصة بالسجون، لكن الدولة تحاول مواجهة كل هذه المشاكل بل والتصدي لها ومحاولة علاجها (افتراضاً لحسن النية)، وواجب على المجتمع المدني المساعدة ودورها هنا كما أعتقد لا يتمثل فقط في رصد المشكلات الموجودة فقط بل أن تساعد في وضع حلول منطقية وقابلة للتنفيذ لهذه المشكلات، وفى تنفيذ الإستراتيجية للوصول إلى الارتقاء بالمواطن المصري والتعامل مع المشكلات واتخاذ إجراءات لحلها.

إذا أمعنا النظر إلى بنود الإستراتيجية سنجد أن الانتقادات موجهة إلى المجتمع المدني، ولكن على أرض الواقع فإن توجيهات الرئيس المصري أعطت تكليفات مباشرة للحكومة المصرية ومسئوليها بتنفيذ ما جاء في الإستراتيجية وتحقيقه على أرض الواقع.

ما بين السطور يشير إلى توافر إرادة سياسية من جانب الدولة المصرية للالتزام بتفعيل بنود الإستراتيجية، بالتعاون مع المجتمع المدني حيث أشار الرئيس في كلمته إلى اعتبار عام 2022 عاماً للمجتمع المدني تقديراً للدور الكبير الذي يقوم به المجتمع المدني جنبًا إلى جنب مع مؤسسات الدولة المصرية لتحقيق التنمية المستدامة ونشر الوعي بثقافة حقوق الإنسان مما يستلزم فتح قنوات التواصل والتعاون والحوار بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني مع ضرورة مكافحة الفساد لضمان التمتع بالحقوق والحريات والذى يُمكن المجتمع المدني القيام بدور كبير في التثقيف بالاتفاقات والمعايير الدولية الخاصة بالحوكمة والشفافية بهدف الحد من مظاهر الفساد.

وأخيرا لا يُعد إعلان السيسي 2022 عاما للمجتمع المدني انحيازا من الدولة واعترافا منها بالدور المهم الذي تلعبه منظمات المجتمع المدني في الدول الديمقراطية فحسب ولا مجرد تبييض وجه النظام خارجيا، بل هو أيضا مسئولية ضخمة وعبء ثقيل على تلك المنظمات والمؤسسات والجمعيات، وأيضاً عبء أكبر على المسئولين التنفيذيين والدولة المصرية في حد ذاتها لمراجعة وتنفيذ ما قاله الرئيس المصري، تلك المؤسسات التي عانت طويلا من التهميش و الملاحقات والمضايقات بعد أن أفسحت لها الدولة المجال جزئياً بتوجيهات من رئيس الجمهورية يجب أن تستغل هذه المساحة حتى وإن كانت صغيرة لخدمة المواطن المصري وتوعيته وتوعية الإدارة المصرية بواجباتهم وحقوقهم على نحو متوازن.

مصدرمحمد السعيد
المقالة السابقةالمغرب بصحرائه و الصحراء بمغربها
المقالة القادمةعن الأسطوانة المشروخة في السودان..رفع الدعم عن المحروقات

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا